كتاب بحوث وتحقيقات عبد العزيز الميمني (اسم الجزء: 2)

وقال آخرون: بل يستقيم أن يقال الرياح لريح واحدة من الرياح الأربع ونَكْباواتها إذا كان يهبّ منها شيء بعد شيء فإن (¬1) كل جزء منها يسمَّى ريحًا وهذه المتابعة تستنزل الغيث، واحتجّوا بأنها إحدى الأرواح بقول أبي ذؤيب:
مَرَتْه النُعامَى ولم يعترف ... خِلافَ النُعَامَى من الشأم ريحا (¬2)
وقال آخر يمدح رجلًا:
فتىً خُلِقت أخلاقُه مطمئنّةً ... لها نَفَحاتٌ ريحهن جَنوبُ
يريد أن الغيث إنما تأتي به الجَنوب. واحتجّوا في تسمية كل جزء من الريح بقول العرب: بعيرٌ ذو عثانين جعلوا كل خُصلة عُثنونًا، ويقولون: شابت مَفارقُه يجعلون كل جزء من رأسه مَفْرِقًا. قال جرير (¬3):
قال العواذل ما لجهلك بعدما ... شاب المفارق واكتسين قتيرا
ولم يرووا أن الاجتياح كان قطّ إلا بريح واحدة. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أنه] قال "نُصرتُ بالصَبا وأُهلكت عاد بالدَبور" (¬4).
ومما جاء متفق اللفظ مختلف المعنى (55: 39) {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [و] مثله (77: 35) {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} الآية. ثم قال (¬5) (36: 24) {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} فليس هذا ناقضًا للخبر الأول تعالى عن ذلك. وكان مجاز قوله {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} (¬6) أي لا يُسأل عن
¬__________
(¬1) في الأصل فلان.
(¬2) البيت في الأزمنة للمرزوقي 2: 77 ومقصور ابن ولّاد مصر 111 واللسان (نعم) والكامل مصر ج 2 ص 56 ويروى فلم يعترف. وهو من كلمة يقولها في عبد الله بن الزبير أورد بعضها ابن قتيبة في طبقاته وابن عساكر في تاريخه. والنعامى الجنوب.
(¬3) ديوانه 1: 133 وسيبويه 2: 138.
(¬4) هذا الحديث ثبت في الصحيحين كما قاله ابن كثير في تفسيره بهامش فتح البيان 15: 63 وصاحب كنوز الحقائق.
(¬5) التراخي في بيان المؤلف لا في مواقع الآيات كما قد سلف لنا التنبيه عليه.
(¬6) والذي أجاب به الإمام أحمد في الردّ على الجهمية المطبوع بآخر جامع البيان بدهلي سنة 1296 هـ ص 31 في باب ما ضلّت فيه الزنادقة من متشابه القرآن بعد أن قرّر دعواهم التناقض بين الآيتين {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} الخ وبين {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال أما تفسير هذا يوم الآية فهذا أول ما تبعث الخلائق على مقدار ستين سنة لا ينطقون ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون ثم =

الصفحة 318