كتاب بحوث وتحقيقات عبد العزيز الميمني (اسم الجزء: 2)

فعلتَ كقوله {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ} ولو كان من الطاعة والمعصية لكان حق الكلام ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيِّئة ومن هذا قوله (19: 83) {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ} الآية وقال (71: 1) {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} وقال (23: 44) {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} وقال (37: 181) {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181] فليس لقائل أن يقول من أهل القبلة إن الشياطين دخلوا في هذا الإرسال. ولا أن قوله {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} كقوله {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} ولكن مجاز قوله {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي خَلَّينا بينهم وبينهم كقول القائل: أرسلت حمارك على زرعي، أي لم تَحْبِسْه فسمى التخلية بالإِرسال كقوله (¬1):
فأرسلها العِراكَ ولم [يَذُدْها] ... ولم يَشْفِقْ على نَغَص الدِخالِ (¬2)
هذا لم يرسل الحمير لتعتركَ ولكنّه لم يحبِسها. وكذلك قولهم: أرسلتَ الأمرَ من يديك إنما هو لم تلزمه. وأما قوله تعالى (51: 56) {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} [وقوله] (3: 178) {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} مجازه مصيرهم إلى ذا كقوله (28: 8) {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} وهم لا يلتقطون مقدِّرين فيه أن يُعاديهِم ويحزِنهم ولكن تعدس (كذا) (¬3) فالتقطه آل فرعون فكان مصيره إلى عدوانهم وحزَنَهم ومثله:
ودُوْرُنا لَخراب الدهر نَبْنِيها
أي إلى هذا تصير. ومثل قول ابن الزِبَعْرَى (¬4):
لا يُبْعِدُ الله ربُّ العبا ... د والمِلْحُ ما ولدت خالده
¬__________
(¬1) هو لبيد بن ربيعة انظر ديوانه صنع الطوسي 121 والخزانة 1: 525.
(¬2) أرسل العير أُتُنَه تعدو إلى الماء دفعة مزدحمة ولم يشفق عليها أن تتنغَّصَ عند الشرب ولم يذدها مخافة الصيّاد أي أنه ليس بِتْرعية. ويروي فأوردها. وهو من أبيات الكتاب 1: 187.
(¬3) هذه الكلمة مشكوكة في الأصل، ولعلها "تقديره".
(¬4) الأبيات نقلها السيوطي في شرح شواهد المغني عن هذا الكتاب 195 كما هنا سواء ولكن المبرد أنشد الأول في كامله (لبسيك 284 التقدم 1: 239) من غير عزو إلى أحد بعينه. وفي مقطعات المراثي عن ثعلب عن ابن الأعرابي ص 106 أنها للحارث بن عمرو الفَزاري يرثي بني خالدة كردما وأخوته وهم بنو سعد بن حرام وفي الخزانة 4: 164 عن نوادر ابن الأعرابي أنها لنُهيكة بن الحارث المازني مازن فزارة وهذا عجب من الاختلاف وفي الفاخر 9 أنها لشُتَيم بن خويلد الفزاري وفي الروض 2: 306 من غير عزو. والملحُ في البيت مرفوع وهو الرضاع.

الصفحة 320