كتاب السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (اسم الجزء: 2)
النبي الحييّ
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء وأكثرهم عن العورات إغضاء، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها «1» ، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه) ، وقالت عائشة رضي الله عنها: (لم يكن رسول الله فاحشا ولا متفحّشا، ولا سخابا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) .
وكان لا يواجه أحدا بما يكره حياء وكرم نفس، عن أنس قال: (دخل عليه رجل به أثر صفرة، قال: وكان رسول الله لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلما قام قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصفرة» ) . «2» وكان إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان قال كذا أو فعل كذا ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا أو يفعلون كذا» وهذا لعمر الحق أسلوب جليل في التربية واستماع النصيحة، وكان يقول: «الحياء من الإيمان» و «الحياء لا يأتي إلا بخير» «3» .
ومع هذا فقد كان يغضب ويواجه بالحق إذا انتهكت حرمات الشرع، وينتصر لدين الله، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه
__________
(1) العذراء: البنت البكر. الخدر: ما تستتر فيه المرأة من بيت ونحوه.
(2) رواه الترمذي في الشمائل.
(3) رواهما الشيخان.