كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 2)

{يخرجكم من أَرْضكُم فَمَاذَا تأمرون (110) قَالُوا أرجه وأخاه وَأرْسل فِي الْمَدَائِن حاشرين (111) يأتوك بِكُل سَاحر عليم (112) وَجَاء السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا إِن لنا لأجرا إِن كُنَّا نَحن الغالبين (113) قَالَ نعم وَإِنَّكُمْ لمن المقربين (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن}
{يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم فَمَاذَا تأمرون} أَي: بِمَاذَا تشيرون؟ قَالَه فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ، وَقيل: إِن هَذَا من قَول الْمَلأ، قَالُوا لفرعون وخاصته: مَاذَا تأمرون وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا ذَلِك لفرعون خَاصَّة؛ لَكِن ذكرُوا بِلَفْظ الْجمع تفخيما وتعظيما.
قَوْله - تَعَالَى -: {قَالُوا أرجه وأخاه} أَي: أرجئه، والإرجاء: التَّأْخِير، يُقَال: أرجأت أَمر كَذَا، أَي أخرت، وَمِنْه المرجئة، سموا بذلك؛ لتأخيرهم الْعَمَل فِي الْإِيمَان، فَإِنَّهُم زَعَمُوا أَن الْعَمَل لَيْسَ من الْإِيمَان، وَيقْرَأ: " أرجه " من غير همز، قيل مَعْنَاهُ: التَّأْخِير أَيْضا، قَالَ الْمبرد: مَعْنَاهُ: اتركه يَرْجُو، وَمعنى الْكل وَاحِد؛ فَإِنَّهُم أشاروا عَلَيْهِ بِتَأْخِير أمره، وَترك التَّعَرُّض لَهُ، وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَنهم أشاروا بِتَأْخِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ لم يكن فيهم ولد عاهر، إِذْ لَو كَانَ فيهم ولد عاهر لأشاروا بِالْقَتْلِ.
{وَأرْسل فِي الْمَدَائِن حاشرين} هِيَ مَدَائِن الصَّعِيد، وَهُوَ فَوق مصر
{يأتوك بِكُل سَاحر عليم} وَفِي الْقِصَّة: أَن فِرْعَوْن أرسل أَصْحَاب الشَّرْط إِلَى تِلْكَ الْمَدَائِن ليجمعوا السَّحَرَة ويأتوا بهم.
قَوْله - تَعَالَى -: {وَجَاء السَّحَرَة فِرْعَوْن} وَفِيه حذف، يَعْنِي: فَأرْسل؛ فجَاء السَّحَرَة، وَاخْتلفُوا فِي عَددهمْ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا اثْنَي وَسبعين رجلا، وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: كَانُوا (اثْنَي) عشر ألفا، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر: كَانُوا ثَمَانِينَ ألفا. وَالْمَعْرُوف أَنهم كَانُوا سبعين ألفا.
{قَالُوا إِن لنا لأجرا إِن كُنَّا نَحن الغالبين قَالَ نعم} لكم الْأجر {وَإِنَّكُمْ لمن المقربين} أَي: لكم الْمنزلَة الرفيعة مَعَ الْأجر.

الصفحة 203