كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 2)

{اقعدوا مَعَ القاعدين (46) لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة وَفِيكُمْ سماعون لَهُم وَالله عليم بالظالمين (47) لقد} عدَّة أَي: أهبة السّفر من الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَغَيرهمَا {وَلَكِن كره الله انبعاثهم} مَعْنَاهُ: خُرُوجهمْ {فَثَبَّطَهُمْ} مَعْنَاهُ: فكسلهم وكفهم عَن الْخُرُوج {وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين} قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان: وَحيا إِلَى قُلُوبهم. وَقَالَ غَيره: قَالَ بَعضهم لبَعض: اقعدوا مَعَ القاعدين.
قَوْله تَعَالَى: {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا} هَذِه الْآيَة نزلت فِي شَأْن الْمُنَافِقين الَّذين تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك، وَمعنى قَوْله: {خبالا} أَي: فَسَادًا وشرا، وَمعنى الْفساد: هُوَ إِيقَاع الْجُبْن والفشل بَين الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله {ولأوضعوا خلالكم} الإيضاع: هُوَ سرعَة السّير. قَالَ الراجز شعر:
(يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع)
قَالَ الزّجاج: معنى الْآيَة: أَسْرعُوا فِيمَا يخل بكم. وَقَالَ غَيره: أَسْرعُوا بَيْنكُم بايقاع الْبغضَاء والعداوة بالنميمة، وَنقل الحَدِيث من بعض إِلَى بعض، وعَلى هَذَا قَوْله: {خلالكم} : وسطكم {يبغونكم الْفِتْنَة} يطْلبُونَ لكم الْفِتْنَة، وَفِي الْفِتْنَة مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الشّرك، وَالْآخر: أَنَّهَا تَفْرِيق الْكَلِمَة.
{وَفِيكُمْ سماعون لَهُم} فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن فِيكُم جواسيس لَهُم ينقلون الحَدِيث إِلَيْهِم، وَسُئِلَ ابْن عُيَيْنَة: هَل فِي الْقُرْآن ذكر للجواسيس؟ قَالَ: نعم. وَذكر هَذِه الْآيَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: {وَفِيكُمْ سماعون لَهُم} قَائِلُونَ لَهُم أَي: يقبل مَا يَقُولُونَ، وَمِنْه مَا ورد فِي الصَّلَاة: " سمع الله لمن حَمده " قبل الله لمن حَمده. وَعَن أبي عُبَيْدَة: وَفِيكُمْ سماعون لَهُم: مطيعون لَهُم. وَالْمعْنَى قريب من القَوْل الثَّانِي.

الصفحة 314