كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 2)

على الإسلام والعروبة، ونرى جريرا فى نفس القصيدة ينوّه بمولى من البربر يسمى وضّاحا، يقول:
لقد جاهد الوضاح بالحق معلما … فأورث مجدا باقيا أهل بربرا
والحق أن العرب اندمجوا فى الموالى منذ الأيام الأولى فى الفتوح، فقد ساكنوهم وتزوجوا منهم، وعرّبوهم عن طريق نظام الولاء الذى شرعه الإسلام، إذ أدخلوهم فى عداد قبائلهم، وكأنما أردوا بذلك أن يلغوا جنسياتهم إلغاء، فهم عرب ولاء. واستشعر الموالى ذلك فى عمق حتى إذا أحسن نفر منهم نظم الشعر وجدناهم يقفون فى صفوف قبائلهم ذائدين عنها ومفاخرين بنفس روح أبنائها الأصيلين، ومن خير ما يصور ذلك زياد الأعجم مولى عبد القيس فقد عاش لقبيلته يحامى عنها ويصول (¬1)، ومثله هرون (¬2) مولى الأزد وثروان (¬3) مولى بنى عذرة وشقران (¬4) مولى بنى سلامان. وكانت القبائل تبادلهم نفس التعصب، فإذا جنى أحدهم جناية كبيرة وزجّ به فى السجن لم يقر قرار لقبيلته حتى تردّ له حريته، على نحو ما يقصه الرواة من موقف اليمانية من ابن مفرّغ حين زجّ به عبّاد بن زياد فى سجن سجستان، فإنها ما زالت تتشفع فيه عند الخليفة وتتوسّل حتى أمر بإطلاق سراحه (¬5).
ومعنى ذلك أن نظام الولاء أقام أواصر بين العرب والموالى كأواصر الرحم، أما ما يلقانا عند إسماعيل بن يسار النسائى شاعر المدينة من أشعار تمجد الفرس (¬6) فإنه يعد شذوذا فى العصر، وهو شذوذ ربما ساقه إلى نفسه كثرة الأشعار التى كان يفتخر فيها كل عربى بقبيلته ممجدا لها ومشيدا بها محاولا الغضّ من القبائل التى تعاديها، وكأن ذلك نبّه إسماعيل للإشادة بجنسه الفارسى، وقد لقى جزاءه عند هشام بن عبد الملك، فإنه غضب عليه غضبا شديدا حين رآه يفخر بأصله الفارسى.
¬_________
(¬1) أغانى (دار الكتب) 13/ 89، 15/ 380 وما بعدها.
(¬2) الحيوان للجاحظ (طبع الحلبى) 7/ 75.
(¬3) البيان والتبيين 3/ 309.
(¬4) نفس المصدر 1/ 108 وأغانى (دار الكتب) 2/ 308.
(¬5) الشعر والشعراء 1/ 323.
(¬6) انظر ترجمته فى أغانى دار الكتب 4/ 411 وما بعدها.

الصفحة 213