كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 2)

ونحن لا نصل إلى حكم القباع والى ابن الزبير على البصرة سنة 66 حتى نجد الشاعرين التميميين ملتحمين فى تلك المناظرة، يدل على ذلك أننا نجدهما فى نقيضتين لهما يعلنان نكيرهما على هذا الوالى، إذ أمر بهدم بيتهما لما يثيران من ضغائن بين القبائل (¬1). ويقول الرواة إن سبب التحامهما أن شاعرا من عشيرة سليط اليربوعية يسمى غسّانا هجا جريرا فسقط عليه بهجاء مرير، فاستغاث منه بالبعيث (¬2) المجاشعى، فأغاثه بمثل قوله فى جرير وعشيرته:
أترجو كليب أن يجئ حديثها … بخير وقد أعيا كليبا قديمها
فانصبّ جرير عليه وعلى مجاشع شواظ نار، وأفحش بنسائهم إفحاشا شديدا جعلهن يستغثن منه بالفرزدق. وكان معروفا بإقذاعه فى الهجاء، وقصته مع زياد بن أبيه وهربه منه لهجائه بنى فقيم التميميين معروفة، ووجدنه عاكفا على حفظ القرآن الكريم، يريد أن يبدأ سيرة جديدة، فما زلن به يستثرنه قائلات إن جريرا هتك عورات نسائك، وظللن يوردن عليه ذلك حتى أحفظنه، فهجا جريرا، واستطار الهجاء بينهما وامتدا به لا إلى عشيرتيهما فحسب، بل أيضا إلى قيس وتغلب وتميم.
وبذلك تكاملت حلقات هذه المناظرة العنيفة بين الشاعرين. وكان كثير من الشعراء ينزلق فيها متحيزا للفرزدق على جرير، فكان يشوى وجوههم ووجوه عشائرهم بنيران هجائه، فينسحبون منهزمين على شاكلة الرّاعى (¬3)، وكان من سوء حظّه أن فضّل الفرزدق على جرير بقوله:
يا صاحبىّ دنا الرّواح فسيرا … غلب الفرزدق فى الهجاء جريرا
وهجاه بقصيدة بائية، فنظم جرير قصيدة هجاه بها كما هجا الفرزدق، ويقول الرواة إنه ما زال يعدّها «حتى عرف أن الناس قد جلسوا مجالسهم
¬_________
(¬1) شرح النقائض لأبى عبيدة (طبعة بيقن) ص 607، 683 وانظر أنساب الأشراف للبلاذرى 5/ 278.
(¬2) انظر فى ترجمة البعيث ابن سلام ص 326 وما بعدها وفى مواضع متفرقة والشعر والشعراء 1/ 472 والاشتقاق ص 241 وابن عساكر 5/ 122 ومعجم الأدباء 11/ 52.
(¬3) انظر فى ترجمة الراعى ابن سلام ص 372، 434 وفى مواضع متفرقة والشعر والشعراء 1/ 377 وأغانى (ساسى) 20/ 168 وفى ترجمة جرير، وفى الخزانة 1/ 502 والموشح ص 157

الصفحة 243