حتى قالوا: «لولا شعره لذهب نصف أخبار الناس». وواضح مما قدمنا أن شعره لا يشتبك بأحداث البصرة وحدها. بل يشتبك أيضا بأحداث الخوارج وأحداث خراسان، وله مدائح وأهاج مختلفة فى ولاتها وولاة فارس، أمثال عبيد الله بن أبى بكرة والجرّاح الحكمى وعمر بن عبيد الله بن معمر والجنيد ابن عبد الرحمن المرّىّ. وقد نوّه طويلا بأسد بن عبد الله القسرى وهلال بن أحوز المازنى. وأشعاره رغم فسقه مطبوعة بروح الإسلام، فهو يكثر فيها من ذكر الصلاة والتقوى والبعث والحساب، كما يكثر من الإشارة إلى قصص الأنبياء، وهو يضمن ذلك مدائحه وأهاجيه جميعا. وتمتاز أساليبه بجزالة اللفظ وقوة الرصف، مما جعل تراكيبه ضخمة، وهو ضخم ناشئ من طوايا نفسه الضخمة الصلبة التى قلما تعرف الرقة واللين
6 - جرير (¬1)
شاعر تميمى من عشيرة كليب اليربوعية، ولم يكن لآبائه ولا لعشيرته ما لآباء الفرزدق وعشيرته مجاشع من المآثر والأمجاد، أما العشيرة فعرفت بأنها كانت ترعى الغنم والحمير. وقد دعا ذلك جريرا إلى أن يرتفع بفخره إلى يربوع وكان لها أيام كثيرة فى الجاهلية، فأشاد بأيامها وفرسانها طويلا.
وكان أبوه عطية متخلفا فى المال مبخّلا، أما جدّه الخطفى فكان كثير المال من الغنم والحمير، وقد أتاه من قبله الشعر، ومما يروى من شعره قوله:
عجبت لإزراء العيىّ بنفسه … وصمت الذى قد كان بالقول أعلما
وفى الصمت ستر للعيىّ وإنما … صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
¬_________
(¬1) انظر فى ترجمة جرير الأغانى (طبع دار الكتب) 8/ 3 وما بعدها والشعر والشعراء 1/ 435 وابن سلام ص 315 والموشح للمرزبانى ص 118 وخزانة الأدب 1/ 36 والعينى 1/ 91 وراجع فهارس الكامل للمبرد والبيان والتبيين- وانظر ذيل الأمالى ص 43 والطبرى 5/ 267، 273 وراجع فهرس الأغانى فى مواضع متفرقة والاشتقاق ص 231 وما بعدها. وقد نشر ديوانه فى القاهرة سنة 1313 للهجرة ونشره الصاوى بتعليقات مختصرة عن مخطوطة تتصل روايتها بابن حبيب. ونشر بيفن نقائضه مع الفرزدق بشرح أبى عبيدة، ونشر صالحانى نقائضه مع الأخطل برواية أبى تمام.