كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 2)

مساعدات حربية ولسانية. وحين نتصفح أشعار زفر بن الحارث نجدها تقطر عصبية (¬1) عنيفة، فهو دائما يتهدد تغلب وكلبا وأخواتها من القبائل اليمنية، وهو فى تهديده لا ينسى ابن الزبير وأنه يقف من دونه ضد قبيلة كلب وزعيمها ابن بحدل الذى يناصر بنى أمية، يقول (¬2):
أفى الله أما بحدل وابن بحدل … فيحيى وأما ابن الزبير فيقتل
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه … ولما يكن يوم أغرّ محجّل (¬3)
ولما يكن للمشرفيّة فوقكم … شعاع كقرن الشمس حين ترجّل (¬4)
وعلى هذا النحو كانت تختلط فى أشعار الطرفين الذحول والثارات بالسياسة.
وظلوا يجترّون ذلك طويلا، إذ نرى جريرا لسان قيس ومحاميها يشنّ هجوما قاسيا على تغلب وشاعرها الأخطل الذى انبرى له يردّ كيده على نحو ما مرّ بنا فى النقائض.

وكان مصعب بن الزبير من فتيان قريش شجاعة وسخاء، فلما ولى العراق لأخيه انهلّت غيوثه على الشعراء، فمدحه منهم كثيرون مثل أعشى همدان ودكين الفقيمى، ولكن المدح من حيث هو لا يهمنا، إنما يهمنا الشعر السياسى الذى كان يدافع عن نظرية ابن الزبير فى الخلافة، هاجيا لبنى أمية مؤلبا عليهم القبائل. ولعل شاعرا لم يبلغ من ذلك ما بلغه ابن قيس الرقيات، فهو شاعر الزبيريين ونظريتهم السياسية غير مدافع، ومن ثمّ ينبغى أن نقف عنده قليلا.
ابن (¬5) قيس الرقيات
اختلف الرواة فى اسمه هل هو عبيد الله أو عبد الله، والأول أرجح، لأن فى أخباره أنه كان له أخ يسمى عبد الله. وعلى نحو ما اختلفوا فى اسمه اختلفوا فى
¬_________
(¬1) انظر الجزء الخامس من أنساب الأشراف للبلاذرى فى مواضع متفرقة والأغانى (ساسى) 17/ 112، 20/ 124.
(¬2) طبرى 4/ 419.
(¬3) يريد يوما مشهورا يبير كلبا ولا يبقى ولا يذر
(¬4) المشرفية: السيوف. ترجل: ترتفع.
(¬5) انظر فى ترجمة ابن قيس الأغانى (طبع دار الكتب) 5/ 73 وما بعدها والشعر والشعراء 1/ 523 وابن سلام ص 530 وخزانة الأدب 3/ 265 والموشح ص 186 وشواهد المغنى ص 211 وحديث الأربعاء لطه حسين (طبعة الحلبى) 1/ 316 وكتابنا الشعر والغناء فى المدينة ومكة ولعصر بنى أمية (طبع دار المعارف) ص 275. وله ديوان نشره رود كناكس فى فينا سنة 1902 وحققه تحقيقا علميا وأعاد نشره فى بيروت محمد يوسف نجم. والرقيات إما صفة لابن قيس فينّون قيس وإما مضافة. راجع فى ذلك الخزانة.

الصفحة 293