كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 2)

قاتله، وهو يقول: (وعجلت إليك ربّ لترضى) (¬1) وكأنما وهبوا أنفسهم للموت. ولهم فى ذلك أخبار وأشعار كثيرة يستصغرون فيها الحياة ويهوّنون من شأنها. من ذلك أن رجلا منهم قدّمه الحجاج إلى القتل، فأنشد (¬2):
ما رغبة النفس فى الحياة وإن … عاشت قليلا فالموت لاحقها
وأيقنت أنها تعود كما … كان براها بالأمس خالقها (¬3)
يوشك من فرّ من منيّته … فى بعض غرّاته يوافقها
من لم يمت عبطة يمت هرما … والموت كأس والمرء ذائقها (¬4)
وعلى هذه الشاكلة كان الموت أمنية كل خارجى، الموت قعصا بالرماح، حتى يفوز بالاستشهاد وبما عند الله من الثواب، يقول يزيد بن حبناء وكان من الأزارقة:
أبيت وسربالى دلاص حصينة … ومغفرها والسيف فوق الحيازم (¬5)
أريد ثواب الله يوما بطعنة … غموس كشدق العنبرىّ بن سالم (¬6)
فهم يطلبون الموت ويستعذبونه ابتغاء ثواب الله والفوز برضوانه وجناته، وإنهم يستعجلونه تعجلا، يقول قطرى بن الفجاءة (¬7):
إلى كم تعارينى السيوف ولا أرى … معاراتها تدعو إلىّ حماميا (¬8)
أغارع عن دار الخلود ولا أرى … بقاء على حال لمن ليس باقيا
ولو قرّب الموت القراع لقد أنى … لموتى أن يدنو لطول قراعيا (¬9)
¬_________
(¬1) المبرد ص 564.
(¬2) المبرد ص 43.
(¬3) براها: خلقها.
(¬4) عبطة: شابا.
(¬5) الدلاص: الدرع الملساء اللينة. المغفر: زرد يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح.
(¬6) غموس: واسعة. العنبرى بن سالم: رجل من الأزارقة كان يقال له الأشدق لسعة فمه.
(¬7) انظر فى ترجمة قطرى وأشعاره وفيات الأعيان لابن خلكان والملل والنحل ص 90 وأمالى المرتضى 1/ 637 وفهارس الكامل للمبرد والطبرى والبيان والتبيين.
(¬8) تعارينى: تطلبنى عارية. الحمام: الموت.
(¬9) القراع: مضاربة السيوف فى الحرب. أنى: آن.

الصفحة 303