فى الأغانى فسترى فيه مقطوعة حماسية رائعة من مقطوعاتهم، اختلف الرواة فى ناظمها، أما المبرد فنسبها إلى قطرى بن الفجاءة، ونسبها المدائنى إلى صالح بن عبد الله العبشمىّ. وقال خالد بن خداش: بل قائلها عمرو القنا، وقال وهب بن جرير: بل هو حبيب بن سهم (¬1). ونقف الآن عند شاعرين من شعرائهما هما عمران بن حطّان والطّرمّاح.
عمران (¬2) بن حطّان
بصرىّ سدوسىّ من شيبان، نشأ على الفقه والورع، وقد أدرك صدرا من الصحابة وروى عنهم، وروى عنه أصحاب الحديث قبل أن يدخل فى مقالة الخوارج. ونلقاه فى عصر زياد خطيبا يروع من يستمعون إليه (¬3). ولا يلبث قلبه أن يتعلق بابنة عم له تسمى جمرة، كانت خارجية، فتزوجها، وأراد أن يردها عن مذهبها فأغوته وأدخلته فيه، ويقال إنها كانت ذات جمال، وكان قبيحا دميما، ويروى أنها قالت له يوما: أنا وأنت فى الجنة، قال:
ومن أين علمت ذلك؟ قالت: لأنك أعطيت مثلى فشكرت، وابتليت بمثلك فصبرت، والشاكر والصابر فى الجنة.
وقد تعمقته مقالة الخوارج حتى أصبحت جزءا من نفسه، فهو يعيش لها ويعيش بها، ويشيد بأصحابها حتى بأشقاهم عبد الرحمن بن ملجم قاتل على بن أبى طالب، وفى طعنته له يقول (¬4):
يا ضربة من تقىّ ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا
إنى لأذكره حينا فأحسبه … أوفى البريّة عند الله ميزانا
ونراه يتأثر تأثرا بليغا حين قتل أبو بلال مرداس سنة 61 للهجرة، حتى ليفكر فى الخروج وامتشاق الحسام، يقول:
¬_________
(¬1) أغانى 6/ 147 وما بعدها.
(¬2) انظر فى ترجمة عمران الأغانى (ساسى) 16/ 146 وما بعدها والمبرد ص 530 وما بعدها والإصابة 5/ 181 وخزانة الأدب 2/ 436 وما بعدها والاشتقاق ص 353 وهامش أمالى المرتضى ص 635.
(¬3) البيان والتبيين 1/ 118.
(¬4) انظر فى نقض هذا الشعر المبرد ص 531 والخزانة 2/ 436.