كتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (اسم الجزء: 2)
لَمْ يَرْكَبُوا الخيْلَ إلا بَعْدَ ما هَرِمُوا ... فَهُمْ ثِقَالٌ على أعْجَازِها جُنُفُ
ومن أبيات الكتاب:
تَجَانَفَ عن جَوِّ اليَمَامَةِ نَاقَتِي ... وما قَصَدَتْ مِن أَهْلِها لِسَوَائِكا1
وأنشد أبو زيد:
تَجَانَفَ رَضْوَانُ عن ضَيْفِه ... أَلَمْ يَأْتِ رَضْوَانَ عَنِّي النُّذُرْ2؟
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "فَجَاءَتْهُ احْدَاهُمَا"3، بإسقاط الهمزة.
قال أبو الفتح: قد قدمنا ذكر ضَعف ذلك، وأنه إنما يجوز في الشعر لا في التنزيل4
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَيْمَا الْأَجَلَيْنِ"5، خفيفة الياء.
قال أبو الفتح: في تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يَعْذِران:
أحدهما تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو أحَسْت، ومَسْت، وظَلْت. وحكى ابن الأعرابي: ظَنْت في ظَنَنْت.
والآخر أن الياء حرف ثقيل منفردةً، فكيف بها إذا ضُعِّفت؟ غير أن في واجب الصنعة شيئا أذكره لك. وذلك أن "أيّا" عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا من باب أَوَيْتُ، هكذا موجَب القياس والاشتقاق جميعا.
أما القياس فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ترى إلى كثرة باب لَوَيْت وشَوَيْت وطَوَيْت وعَوَيْت6 يَدَه وزَوَيْت7 جانبه، إلى قلة باب عَييت وحَييت؟
__________
1 البيت للأعشى، وروي "عدلت" مكان "قصدت". وجو: عاصمة اليمامة، ويطلق عليها أيضا اسم اليمامة، وهي بلاد بين نجد واليمن، تتصل بالبحرين شرقا وبنجد غربا. وانظر ديوان الشاعر: "89"، والكتاب: 1: 203، واللسان "جنف".
2 لأشعر الرقبان الأسدي، من شعراء الجاهلية. وانظر النوادر: 73، وسمط اللآلي: 830.
3 سورة القصص: 25.
4 انظر الصفحة 120 من الجزء الأول، و147 من هذا الجزء.
5 سورة القصص: 28.
6 عويت يده: لويتها.
7 زويت جانبه: نحيته.