كتاب التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه (اسم الجزء: 2)
مَا يُسْتَرَابُ بِهِ، ويُتَوقَّعُ أَنْ يَأْتِيَ المَكْرُوْهُ مِنْ مَوْضِعِ الأمْنِ والثَّقَةِ مِنْهُ. فَتُرَى عُمَر اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ (¬1) بالمَنْبُوْذِ وَخَشِيَ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ فيه عَمَلٌ وَوَرَاءَهُ رَمِيَّةٌ، فَلَمَّا أَثْنَى عَلَيهِ زَال ذلِكَ التَّوهُّمُ، وَقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا أَنكرَ المَنْبُوْذَ عَلَى أَبِي جَمِيلَةَ؛ لأنَّه ظَنَّ أَنَّه يُرِيدُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ، وَكَانَ عُمَرُ يَفْرِضُ لِلْمَنْبُوْذِ، فَظَنَّ أَنَّه أَخَذَهُ لِيَلِيَ أَمْرَهُ، وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضَ لَهُ فَيَصْنَعَ فيه مَا شَاءَ، فَقَال لَهُ: عَرَفْتُهُ أَنَّه رَجُلٌ صَالِحٌ فَتَرَكَ عُمَرُ ظَنُّهُ، وأَخْبَرَهُ بالحُكْمِ فِيهِ. والقَوْلُ عِنْدَنَا هُوَ الأوَّلُ.
وانْتَصَبَ "أَبؤُسًا" عَلَى خَبَرِ "كَانَ" مُضْمَرَةً، كَأنَّهُ قَال: عَسَى الغُوَيرُ أَنْ يَكُوْنَ أَبْؤُسًا، وَهُوَ قَوْلُ الكِسَائِيُّ. قَال ابنُ كَيسَان (¬2): مَعْنَاهُ عَسَى الغُوَيرُ أَنْ
¬__________
(¬1) حديثُ أَبي جَمِيلَةَ في المُوَطَّأ (2/ 738) (بابُ القَضَاءِ في المَنْبُوْذِ) وأَبُو جَمِيلَةَ اسمُهُ سُنَينٌ -بالتَّصْغِيرِ- بنُونين ومُهْمَلَةٍ، وَذَكَرَ الحَافظُ ابنُ نَاصر الدِّمشقيُّ في التَّوضيح (5/ 193) هذَا الضَّبْط والتَّقييد ثم قال: "سُنَيِّنٌ بتَشْدِيدِ المُثَنَّاة تَحت، مَكْسُوْرَةٍ في قول سُفيان بن عُيَينَةَ، وسُليمان بن كثيرٍ العَبْدِيِّ: سُنَيِّن أَبُو جَمِيلَةَ الضَّمُريُّ، وقيل: السُّلَمِيُّ ... والجُمْهُوْرُ على أَنَّه بسكونِ المُثَنَّاةِ تحت كالأولِ". ويُراجع: الإكمال (4/ 377). قَال الحَافظُ ابنُ حَجَرٍ: ذكره البُخاري في "صحيحه" تعليقًا أنَّه شهد فتح مكة، وذكر قِصَّتَهُ مَعَ عُمَرَ في المَنْبُوْذِ. قال: وأن عريفَه شهدَ عند عُمَرَ أَنَّه رجلٌ صالحٌ، ووصله مالكٌ قال: وقد تقدمت ترجمته في حرف السين المُهْملة في الأسماء. يُراجع: الإصابة (7/ 68، 3/ 193)، ويُراجع: فتح الباري (5/ 274، 8/ 22). وذكره ابن سعد في الطَّبَقَةِ الأُوْلَى من التَّابِعِين. يُرَاجع: طَبَقَات ابن سَعْدٍ (5/ 63).
(¬2) فصَّلَ الإمامُ أبُو حَيَّان الأَنْدَلُسِيُّ -رحمه الله- في كتابه "التَّذييل والتَّكميل في شرح التَّسهيل" 2 / ورقة (180) هذِهِ المسألة وذكر رأي ابن كيسان والكسائي وغيرهما، وأنا أنقل كلامه لمزيد فائدته، قال -رحمه الله-: "وَقَالتِ العَرَبُ: "عَسَى الغُوَيرُ أَبْؤسًا" فـ"أَبؤس" مَنْصُوب على أَنَّه خَبَرُ "عَسَى" عند سيبويه والبَصريين، وهو على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: ذَا بؤسٍ. وقَال ابنُ =
الصفحة 194