كتاب التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه (اسم الجزء: 2)
يَبْأسَ بَأْسًا بَعْدَ بَأسٍ (¬1) يَذْهَبُ إِلَى (¬2) أَنَّ انْتِصَابَهُ انْتِصَابُ المَصَادِرِ. وَقَال قَوْمٌ: مَعْنَاهُ: أَنَّ يُحْدِثَ أَبْؤُسًا فَهُوَ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ. وَقَال قَوْمٌ: مَعْنَاهُ: عَسَى الغُوَيرُ أَنَّ يَأتِيَ بِأَبْؤُسٍ، فلَمَّا حَذَفَ البَاءَ نَصَبَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الكُمَيتِ (¬3):
قَالُوا أَسَاءَ بَنُو كُرْزٍ فَقُلْتُ لَهُمْ ... عَسَى الغُوَيرُ بِأَبْآسٍ وأَغْوَارِ
وَمِنَ النَّحْويِّينَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أنَّ "عَسَى" فِي هَذَا المَثْلِ أُجْرِيَ مُجْرَى "كَانَ"
¬__________
= كَيسَان: "أَبْوُسًا" مصدر، والتَّقدير: أَنَّ يبأَسَ، قال مُصْعَبُ بنُ أبي بكرٍ الخُشَنِيُّ، وهَذَا حَسَن، وَنَظَّرَهُ بِقَوْلهِ: {فَطَفِقَ مَسْحًا} وقَال الكِسَائيُّ: أَبُؤْسًا خَبَرُ "يكون" مضمرة، التقدير: أن يكون، وفي هَذين التَّقْدِيرين حذف مُضَافٍ أي أهل. وقال أَبُو عُبَيدٍ: التَّقدِير: أَنْ يأتَي بأبؤس، وفي هَذَين القَوْلَين حَذْفُ "أن" وصلتها، وقد منع ذلك سيبويه، والأكثرون. وقيل: هي في هَذَا المثل بمعنى "صار" لأنَّه أَخْبَرَ بالمَصْدَرِ ولا يكونُ في الرَّجَاءِ. وقال أبو عُمَرَ الزَّاهدُ: قَال أَبُو العبَّاسِ يَعني أحمدَ بنَ يَحْيَى: كَلامُ العَرَبِ كُلُّهُ: عَسَى زيدٌ قائمٌ فيجعل زَيدًا مبتدأ، وقائمًا خبره، ومن العَرَب من يجعلها في معنى "كان" فَتقُول: عسى زَيدٌ قائمًا، وبهذِه العِلَّةِ جَاءَ الخَبَرُ عن عُمَرَ بن الخَطَّابِ - رضي الله عنه - أنَّهُ قَال للرَّجُلِ الَّذي وَجَدَ مَنْبُوذًا "عَسَى الغُوَيرُ أَبؤسًا" انْتَهَى، فظاهرُ هَذَا النَّقل عن أحمد بن يحيى أَنَّهُ يَجُوْزُ عَسَى زَيدٌ قائمٌ بالرَّفع وأنَّه من كلام العَرَبِ ولا يكون لـ"عسى" عَمَلٌ البَتَّةَ، وهَذَا شَيءٌ لا يَعْرِفُهُ البَصْرِيُّون ... " ولكلامه صلة هُنَاك. ويُراجع: الكتاب (1/ 51، 159)، ومعاني القرآن (1/ 445)، والمقتضب (3/ 70)، والإيضاح (76)، والمَسَائل العَضُديات (65)، والمَسَائِل العَسْكَريَّة (146)، وشرح التَّسهيل (1/ 393)، وشرح الكافية للرضي (4/ 215) ... وغيرها.
(¬1) في الأصل: "بعد بؤسا".
(¬2) في الأصل: "إلا".
(¬3) ديوان الكميت (1/ 186)، عن المستقصى للزَّمخشري (2/ 161).
الصفحة 195