كتاب التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه (اسم الجزء: 2)
وَكَانُوا رَبَّمَا سَمَّوا هَذ الأصْنَافَ كُلَّهَا خَمْرًا فَلَمَّا قَال تَعَالى (¬1): {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ ... } إذْ كَانَتْ نَائِبَةً مَنَابَ الخَمْرِ وَسَادَّةً مَسَدَّهَا، وَكَانَ مَعْنَى الخَمْرِ مَوْجُوْدًا فِيهَا، وَكَانَ مِنْهُم مَنْ لَا يُسَمِّيهَا خَمْرًا، فَلَمَّا قَال تَعَالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ ... } احتُمِلَ أَن يُريدَ الخَمْرَ المَشْهُوْرَةَ الَّتي لا خلافَ فِيهَا [ ... ] (¬2) خَمْرًا، دُوْنَ غَيرِهَ مِمَّا قَدْ تُسَمَّى خَمْرًا وَقَدْ لا تُسَمَّى، واحْتُمِلَ أَنْ يُرِيدَ جَمِيع مَا يَقَعُ عَلَيهِ هَذَا الاسْم، فَأَوْضَحَ رَسوْلُ الله [- صلى الله عليه وسلم -] هَذَا الإبْهَامَ بِأَنْ قَال: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" أَي: حُكْمُهُ حُكْمُ الخَمْرِ، وَلِهذَا احْتِيجَ أَنْ يُقَال: إِنَّ الخَمْرَ يَكُوْنُ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ والحِنْطَةَ والعَسَلِ والشَّعِيرِ، وَلَوْ كَانَ المَشْهُوْرُ أَنَّ هَذه الأَصْنَافَ تُسَمَّى خَمْرًا كَشُهْرَةِ تَسْمِيَةِ عَصِيرِ العِنَبِ إِذَا (¬3) احْتِيجَ إِلَى هَذَا، وَلَكَانَ فِي تَحْرِيمِ الخَمْرِ كِفَايَةٌ، وَلكِنْ لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِلُهُ بَيَّنَ ذلِكَ رَسوْلُ اللهِ [- صلى الله عليه وسلم -] كَمَا قَال تَعَالى (¬4): {حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ} احْتَمَلَ العُمُوْمَ واحْتَمَلَ الخُصُوْصَ فَأَوْضَحَ ذلِكَ النَّبيُّ [- صلى الله عليه وسلم -] بِقَوْلهِ: "أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيتَتَانِ وَدَمَانِ" وَهَذِهِ الآيةُ عَكْسُ آيةِ الخَمْرِ؛ لأنَّه خَصَّصَ فِي هَذِهِ الآيةِ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ عُمُوْمًا،
¬__________
= الدّنِ. يُراجع: "تَنبيه البَصَائر"، و"الجَلِيسُ والأَنِيسُ"، قال الفَيرُوْزَآبَادِيُّ: "والنَّبِيذُ عندَ الفُقَهَاءِ شَرَابٌ غَيرُ مُسْكِرٍ، ومنه ما حُكِيَ عن ثَعْلَبٍ أنَّه قَال: سَقَيتُ أحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ بِيَدِي" ولا أَدرِي كَيفَ يَثْبُتُ ذلِكَ؟ ! .
وفي الحَدِيثِ: "إِنَّ أناسًا من أُمَّتِي يَشْرَبُوْنَ الخَمْرَ يُسَمُّوْنَهَا بِغَيرِ اسْمِهَا". "فتح الباري" (10/ 52).
(¬1) سورة المائدة، الآية: 90.
(¬2) بياض يتَّسع لكلمة واحدة.
(¬3) لعلها: "لَمَا ... ".
(¬4) سورة المائدة، الآية: 3.
الصفحة 262