كتاب التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه (اسم الجزء: 2)

- وَ [قَوْلُهُ]: "فَرَأَيتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ"].
وَصْفُهُ عِيسَى بالأَدْمَةِ، وَقَدْ وَصَفهُ ابنُ زمل في حَدِيثِ رُؤْيَاهُ بالبَيَاضِ (¬1) وكَذلِكَ في حَدِيثِ نزوْلِهِ إِلَى الأرْضِ فَقَال - صلى الله عليه وسلم -. "رَجُلٌ مَرْبُوْعٌ إلَى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ" فاعْلَمْ أَنَّ الأُدْمَةَ تَكُوْنُ شَدِيدَةً فَتُقَارِبُ السَّوَادَ، وَتَكُوْنُ يَسِيرَةَ فَلَا يَخْرُجُ اللَّوْنُ بِهَا عَنِ البَيَاضِ خُرُوْجًا كَثيرًا، والبَيَاضُ قَدْ يَكُوْنُ كَثيرًا فَيُقَالُ: أَبْيَضُ نَاصِعٌ، وَقَدْ يَكُوْنُ غَيرَ نَاصِعٍ، فَيُقَالُ: أَبْيَضُ أَكْهَبُ. والحُمْرَةُ قَدْ تَكُوْنُ خَالِصَةً فَيُقَالُ: أَحْمَرُ عَضْبٌ، وَقَدْ تَكُوْنُ كُدْرَة فَيُقَالُ: أَحْمَرُ أَكْلَفُ، وَقَدْ يُخَالِطُهَا سَوَادٌ فَيُقَالُ: أَحْمَرُ أَدْبَسُ. وَيُقَوِّي هَذَا أَنّهُمْ قَالُوا: إِلَى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ، وَلَمْ يَقُوْلُوا: أَحْمَرُ أَبْيَضُ على الإطْلَاقِ.
-[قَوْلُهُ: "أعْوَرِ اليُمْنَى"]. اخْتُلِفَ في عَوَرِ الدَّجَّالِ في أَيِّ عَينَيهِ هُوَ (¬2)؟ فَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: اليُسْرَى، وفي حَدِيثِ حُذَيفَةَ - كَذلِك، خرَّجه مُسْلِمٌ - وفي سَائِرِ الأحَادِيثِ: اليُمْنَى. وَالمَسِيحُ الدَّجَّالُ عَلَى لَفْظِ المَسِيحِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ،
¬__________
(¬1) التَّمهيد (14/ 191، 190).
(¬2) قَال الحَافِظ ابن عبد البر في التَّمهيد (14/ 193): "والآثار مختلفة في نُتُوءِ عنِهِ، وفي أَيِّ عَينَيه هِيَ العَوْرَاءُ، ولم تختلف الآثار أنَّه أَعْوَرُ، وذكر البُخَارِيُّ عن ابن بُكَيرٍ، عن اللَّيثِ، عن عَقِيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَالِمٍ، عن أبيه، قَال: ... وَذَكَرَ الحَدِيثَ، ويُراجع هامش التَّمهيد، وفتح الباري (7/ 295)، ثمّ قال: "وحدَّثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا: حَدثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قال: حذَثنا سَعِيدُ بنُ أَبي عَرُوْبَةَ عَنْ قتادة، عَنِ الحَسَنِ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبِ أَنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يقُوْلُ: إِنَّ الدَّجَّال خَارجٌ وهُوَ أَعْوَرُ العَينِ الشِّمَالِ ... الحَديث". قَال الحَافِظُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ رحمه اللهُ: "ففي هَذَا الحَدِيثِ أَعْوَرُ العَينِ الشمَالِ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ: أَعْوَرُ العَينِ اليُمْنَى، واللهُ أَعْلَمُ، وَحَدِيثُ مالكٍ أثبتُ من جِهةِ الإِسْنَادِ ... ".

الصفحة 337