كتاب التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه (اسم الجزء: 2)

الصَّبِيَّ وَهِيَ حَامِلٌ، أَوْ يَطَأَها الرَّجُلُ وَهِيَ ترضِعُ، يُقَالُ: أَغَالتِ المَرأَةُ وأَغْيَلَتْ، ويُقَال لِذلِكَ اللَّبَنُ الغَيلُ، ويَكُوْنُ الغَيلُ أَيضًا الرَّضَاعَ. ويَزعُمُ الأطِبَّاءُ أَنَّ ذلِكَ اللَّبَنَ مُضر بالمَوْلُوْدِ. وكَانَتِ العَرَبُ تَنْهى [عَن] ذلِكَ، ويُعَيِّرُ بِهِ بعضُهُم بَعضًا. وَحُكِيَ عَنْ بعضِهِم (¬1): "إِنه ليُدرِكَ الفَارِسُ فَيدعثِرُهُ عَن فَرَسِهِ"، أَي: يَضرَعُهُ، وَفِي تَأبِينِ تأبَّطَ شَرًّا: " ... وَلَا سَقَيتُهُ غَيلًا" (¬2).
¬__________
(¬1) غَرِيبُ الحَدِيثِ لأبي عُبَيدٍ (2/ 100)، قَال: "قَال أبُو عُبَيدٍ: بَلَغَنِي قَال أَبُو عُبَيدَةَ واليَزِيديُّ -وأَظُنُّ الأصمَعِي- وغَيرُهُم قَوْلُهُ الغَيلَةُ: هُوَ الغَيلُ، وذلِكَ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ المرأَةَ وَهِيَ مُرضِعٌ، يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ أَغَال الرَّجُلُ وأَغَيَلَ، والوَلَدُ مُغَال ومُغِيلٌ، وأَنْشَدَنِي الأصمَعِي بيتَ امرِئُ القَيسِ [دِيوَانُهُ: 12]:
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَد طَرَقْتُ ومُرضِع ... فَألهيتُها عَنْ ذِي تَمَائِمَ محولِ
وَمِنْهُ الحَدِيث الآخر: "لَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم سِرًّا إِنَّه ليُدرك الفَارِس فَيُدَعثِرُهُ" والعَرَبُ تَقُوْلُ في الرَّجُلِ تَمدَحُهُ: "مَا حملتُهُ أُمُّه وضْعًا، ولا أَرضَعَتْهُ غَيلًا، ولا وَضَعَتْهُ يَتَنًا، ولا أَبَاتَتْه مِثِقًا".
ثُمَّ فَسَّرَ أَبُو عُبَيدٍ -رحمه الله- الحَدِيثَ وَقَوْلُ العَرَبِ لفظةً لَفْظَة فليُرَاجَع هُنَاك، وإِنَّمَا أَوْرَدَت كَلامَ أَبي عُبَيدٍ لتَوضِيح قَوْل المؤَلِّف: "حَكَى بَعضُهُمُ" وَهُوَ حَدِيث عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا تَرَى؟ ! وهو في سنن أَبِي دَاوُد، ومُسْنَد الإمَام أَحمَد، وغيرهما. وفيه أَيضًا: تكملةُ ما أُثِرَ عَن العَرَبِ من قولهم: "ولا سَقَيتُهُ غَيلًا" وأَنه سَجْع له بقية، وزَادَ اليَفْرنيُّ: قَال الشَّاعِرُ:
فَوَارِسَ لَم يُغَالُوا في رَضَاعٍ ... فَتنبُوا عَنْ أَكُفِّهِمُ السيُوْفُ
وَلِلْيَفْرُنيِّ كَلامٌ جَيد حَوْلَ هذِهِ المسألَةِ لَوْلَا خَشْيَةُ الإطَالةِ في الهامِشِ لأوْرَدتُهُ، فَلْيُرَاجَع هُنَاك، ويُراجَع: التَّمهِيد (13/ 92)، وفيه فوائد، وروايةُ بَيتِ امرئ القَيس فيه "عن ذي تَمَائِمِ مُغِيلِ" وَهُوَ مَوْضِع الشَّاهد، ولا شَاهِد فيه على رِوَايَةِ أَبِي عُبَيدٍ لِمَا أَرَاد، فَلَعَلَّه خَطَأ من النُّسَّاخِ.
(¬2) وَرَدَ في اللِّسَان عَلَى أَنه جُزْءٌ مِنْ بَيتِ شعرٍ، وَلَيسَ كَذلِكَ، جَاءَ في تَهْذِيبِ اللُّغَة (8/ 194)، وقَالت أُمُّ تَأبًّطَ شَرًّا تُؤَبِّنُهُ بعدَ مَوْتهِ: والله مَا أَرضَعْتُهُ غَيلًا، والتّأبينُ: ذِكْرُ مَحَاسِنِ المَيِّتِ والثناءُ عَلَيهِ. وَإِذَا كَانَ ذلِكَ شِعرًا فَهُو رَثَاءٌ.

الصفحة 66