كتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
فإن خاف ألا يقوم من آخر الليل، استحب له أن يوتر أوله، لأنه صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة وغيره بالوتر قبل النوم وقال: "من خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر من أوله". 1 وكلها صحاح. وأي وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأ، لا نعلم فيه خلافاً.
[فأما] 2 من أوتر ثم قام للتهجد، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى، ولا ينقض وتره؛ وبه قال مالك. قيل لأحمد: لا ترى نقض الوتر؟ قال: لا، ثم قال: وإن ذهب إليه رجل فأرجو، لأنه قد فعله جماعة، وهو قول إسحاق؛ ولعلهم ذهبوا إلى قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً". 3 ولنا: حديث طلق بن علي، رفعه: "لا وتران في ليلة". 4 حسنه الترمذي.
فإن صلى مع الإمام وأحب متابعته، لم يسلم وقام فصلى ركعة شفع بها صلاته، نص عليه، وقال: إن شاء قام على وتره وشفع إذا قام، وإن شاء صلى مثنى. قال: ويشفع مع الإمام بركعة أحب إلي.
ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث: في الأولى بـ"سبح"، وفي الثانية {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، 5 وفي الثالثة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . 6 وقال الشافعي: "يقرأ في الثالثة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، 7 والمعوذتين"، لحديث عائشة، رواه ابن ماجة. ولنا: حديث أبيّ بن كعب، وحديث عائشة لا يثبت. وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين. قال أحمد: الأحاديث التي جاءت: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بركعة كان قبلها صلاة متقدمة، قيل له: أيوتر في السفر بواحدة؟ قال: يصلي قبلها ركعتين".
قيل لأحمد: رجل قام يتطوع، ثم بدا له فجعل تلك الركعة وتراً، قال: لا. وكيف يكون؟ هذا قد قلب نيته. قيل له: أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم. انتهى من الشرح.
وقال: إذا قنت قبل الركوع، كبر ثم أخذ في القنوت. وقد روي عن عمر: "أنه إذا فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين يركع"، روي ذلك
__________
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (755) , وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1187) , وأحمد (3/337, 3/348, 3/389) .
2 كذا في المخطوطة، وفي نسخة: (و) .
3 البخاري: الجمعة (998) , ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (751) , وأبو داود: الصلاة (1438) .
4 الترمذي: الصلاة (470) , والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1679) , وأبو داود: الصلاة (1439) .
5 سورة الكافرون آية: 1.
6 سورة الإخلاص آية: 1.
7 سورة الإخلاص آية: 1.