الفعلُ لم يجبْ, والكيدودة قد وجَبَتْ. قال: وهذا عندي يجوز فيه الرفع، يعني الدخول؛ لأنه في حال فعل إذا قلت: حتى أكاد, يعني إذا كنت في حال مقاربة، و"حتى" لا تعملُ في هذا المعنى, إنما تعمل في كل فعل لم يقع بعد، والكيدودةُ قد وقعتْ وأنت فيها, وتقول: الذي يأتيني فَلهُ درهم, والذي في الدارِ فلَهُ درهم, فدخولُ الفاء لمعنى المجازاة ولا يجوزُ: ظننتَ الذي في الدار فيأتيك. تريد: ظننتُ الذي في الدار يأتيك, والأخفش يجيزه على أن تكون الفاء زائدة وقال: قول الله عز وجل: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} 1 ولكن زدت "إن" توكيدًا، وقالَ: لو قلت: إن هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة كان صالحًا؛ لأنك إذا قلت: إن الذي يأتينا فلهُ درهم، فمعناه: الذي يأتينا فله درهم, ولا يحسن ليتَ الذي يأتينا فلَهُ درهم, ولا لعل الذي يأتينا فنكرمُه؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة، ولا يحسنُ "كأنَّ الذي يأتينا فلَهُ درهم" لأن معنى الجزاء إنما يكون على ما يأتي لا على ما كان، فإن قدرت فيه زيادة الفاء جاز على مذهب الأخفشِ.
__________
1 الجمعة: 8.
فصل يذكر فيه قَلَّ وأقلّ:
اعلم: أنَّ قَلَّ: فعلٌ ماضٍ، وأقلَّ: اسم، إلاّ أن أقلّ رجل قد أَجروه مجرى قَلَّ رجل، فلا تدخل عليه العوامل، وقد وضعته العرب موضع "ما" لأنه أقرب شيءٍ إلى المنفي القليل، كما أن أبعد شيء منه الكثير، وجعلت "أقلَّ" مبتدأةً صدرًا إذا جُعلتْ تنوبُ عن النفي، كما أن النفيَ صدرٌ فلا يبنونَ أقلَّ على شيءٍ، فتقول: أقلّ رجلٍ يقول ذاك، ولا تقولُ: لَيتَ أقلَّ رجلٍ يقول ذاك، ولا لعل ولا إنَّ، إلا أن تضمر في "إنَّ" وترفع أقلّ بالابتداء، قال الأخفش: هو أيضًا قبيحٌ؛ لأن أقلَّ رجلٍ يجري مجرى: