كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 2)
وقال للذى سأله: أى الصدقة أفضل «أما وأبيك لتنبأنه» رواه مسلم «1»، ونحو ذلك من الأحاديث.
قيل: ذكر العلماء عن ذلك أجوبة:
أحدها: ما قاله ابن عبد البر فى قوله: «أفلح وأبيه إن صدق». هذه اللفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر: «أفلح واللّه إن صدق» قال: وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ «أفلح وأبيه» لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، ولم تقع فى رواية مالك أصلا، وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحف قوله: «و أبيه» من قوله: «و اللّه» «2».
وهذا جواب عن هذا الحديث الواحد فقط ولا يمكن أن يجاب به عن غيره.
الثانى: أن هذا اللفظ كان يجرى على ألسنتهم من غير قصد للقسم به، والنهى إنما ورد فى حق من قصد حقيقة الحلف ذكره البيهقى وقال النووى: إنه المرضى.
قلت: هذا جواب فاسد، بل أحاديث النهى عامة مطلقة ليس فيها تفريق بين من قصد القسم وبين من لم يقصد، ويؤيد ذلك أن سعد بن أبى وقاص رضى اللّه عنه حلف مرة باللات والعزى «3»، ويبعد أن يكون أراد حقيقة الحلف بهما، ولكنه جرى على لسانه من غير قصد على ما كانوا يعتادونه قبل ذلك ومع هذا نهاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم. غاية ما يقال: إن من جرى ذلك على لسانه من غير قصد معفو عنه، أما أن يكون ذلك أمرا جائزا للمسلم أن يعتاده فكلا. وأيضا فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك كان يجرى على ألسنتهم
__________________________________________________
كما هنا.
(1) 2/ 716 من حديث أبى هريرة.
(2) وانظر فى هذا أيضا المغنى لابن قدامة 8/ 678 وفتح البارى 1/ 107 - 108.
(3) سيأتى الحديث فى الصفحة التالية.