كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 2)
لا تحرم وفيه نظر، وكأنه أخذه من كونه صلى اللّه عليه وسلم لم ينه عمة جابر لما ناحت عليه فدل على أن النياحة إنما تحرم إذا انضاف إليها فعل من ضرب خد أو شق جيب، وفيه نظر، لأنه صلى اللّه عليه وسلم إنما نهى عن النياحة بعد هذه القصة لأنها كانت بأحد، وقد قال فى أحد: «لكن حمزة لا بواكى له» ثم نهى عن ذلك وتوعد عليه، وذلك بين فيما أخرجه أحمد «1» وابن ماجة «2» وصححه الحاكم «3» من طريق أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مر بنساء بنى عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال:
«لكن حمزة لا بواكى له»، فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: «ويحهن، ما انقلبن بعد، مروهن فلينقلبن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم «4»».
قلت: ولعل ابن قدامة يشير إلى رواية حرب التى تقدمت وإن كان يقصدها- وهو الغالب- فليس فيها ما يدل على الإباحة بل الروايات كما أسلفت تدل على التحريم ففى إحداها قال: هو من فعل الجاهلية وفى الأخرى أخذ بحديث أم عطية. قالت: لما نزلت هذه الآية: يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ...
وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قالت: كان منه النياحة «5».
وفى أخرى قال: ينهاهم والمباح لا ينهى عنه. وعند ما سئل عن الجنائز التى تتبعها النوائح قال: تتبع واستشهد بقول الحسن: لا ندع حقا لباطل.
والباطل لا يكون مباحا. واللّه تعالى أعلم.
قال المرداوى: يحرم عليه أن يتبعها ومعها منكر عاجز عن منعه على الصحيح من المذهب نص عليه. نحو طبل أو نوح أو لطم نسوة وتصفيق ورفع
___________
(1) فى المسند 2/ 40، 84، 92.
(2) فى السنن 1/ 507.
(3) فى المستدرك 3/ 195.
(4) فتح البارى 3/ 161.
(5) رواه مسلم فى الصحيح 2/ 646.