كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 2)

من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية «1» ... اه
ومما تمسكوا به أيضا ما جاء فى سورة الأعراف «2» حكاية عن نبى اللّه موسى عليه السلام قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي «3».
وهذه الآية أيضا من الأدلة على جواز الرؤية لا على نفيها فلو كانت رؤية اللّه عز وجل لا تجوز مطلقا لم يجز لنبى أن يسأله ما لا يجوز أو يستحيل، وفى قوله تعالى فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي دلالة على جواز الرؤية، وليس فى قوله تعالى: لَنْ تَرانِي إحالة للرؤية فهو عز وجل لا يرى فى الدنيا «4».
ويراه المؤمنون فى الآخرة على الوجه الّذي يشاؤه جل وعلا.
أما الآيات الصريحة فى إثبات الرؤية فقد تأولوها على عادتهم فقالوا إن المقصود بقول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أى:
منتظرة «5».
يقول البيهقى رحمه اللّه تعالى فى رد هذا التأويل.
وليس يخلو النظر من وجوه إما أن يكون اللّه عز وجل عنى به نظر الاعتبار كقوله: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ «6»، أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً «7»، أو يكون عنى به نظر التعطف والرحمة كقوله ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ «8»، أو يكون عنى الرؤية كقوله
___________
(1) حادى الأرواح ص: 217 وانظر: الفصل لابن حزم 3/ 3 وفتح البارى 3/ 426، وراجع ج:
2/ 79.
(2) آية: 143.
(3) انظر: شرح الأصول الخمسة ص: 233.
(4) انظر: حادى الأرواح ص: 323، وشرح العقيدة الطحاوية ص: 207.
(5) انظر: شرح الأصول الخمسة ص: 245، وفتح البارى 13/ 426.
(6) سورة الغاشية/ 17.
(7) سورة يس/ 49.
(8) سورة آل عمران/ 77.

الصفحة 221