كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع (اسم الجزء: 2)

عليه (¬1)، لكنَّ أبا حنيفة رحمه الله يقول: إذا كانت خمس صلوات فأقلَّ فإنَّه يقضي (¬2)؛ لأنَّها سهلة ويسيرة، أمَّا إذا زادت على الخمس فلا يقضي، وكلامُ أبي حنيفة مبنيٌّ على شيء من العقل والرَّأي؛ فأخذ بعِلَّةِ مَنْ عَلَّل بالقضاء، وأخذ بسقوط الأمر للمشقَّة. ولكن لا شَكَّ أنَّ مثل هذا التَّقديرِ الدَّقيق يحتاج إلى دليل، وإلاَّ فهو تحكُّمٌ؛ فالإنسان الذي لا يَشُقُّ عليه خمسُ صلوات لا يَشُقُّ عليه ستُّ صلوات.
فإذا نظرنا إلى التَّعليل وجدنا أنَّ الرَّاجح قول من يقول: لا يقضي مطلقاً؛ لأنَّ قياسه على النَّائم ليس بصحيح، فالنَّائم يستيقظ إذا أُوقِظَ، وأمَّا المُغمى عليه فإنَّه لا يشعر.
وأيضاً: النَّوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنَّه لا يقضي سقط عنه كثير من الفروض. لكن الإغماء قد يمضي على الإنسان طولُ عمره ولا يُغمى عليه، وقد يسقط من شيء عالٍ فيُغمى عليه، وقد يُصاب بمرضٍ فيُغمى عليه.
وأما قضاء عمَّار ـ إن صحَّ عنه ـ فإنَّه يُحمل على الاستحباب، أو التَّورُّعِ، وما أشبه ذلك (¬3).
¬__________
(¬1) انظر: «المدونة» (1/ 93، 94)، «المجموع شرح المهذب» (3/ 6، 7)، «المغني» (2/ 50، 51).
(¬2) انظر: «المبسوط» (1/ 217).
(¬3) روى مالك في «الموطأ»، كتاب وقوت الصلاة: باب جامع الوقوت، رقم (24)، وعبد الرزاق (2/ 479)، وأبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الصلاة: باب من قال ليس عليه (المغمى عليه) إعادة، رقم (6599)، والدارقطني (2/ 82) واللفظ له، والبيهقي في «المعرفة والآثار» (2/ 219) عن نافع: «أن ابن عمر أُغمي عليه ثلاثة أيام ولياليهن، فلم يقضِ». وإسناده غايةٌ في الصِّحة.

الصفحة 17