كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 2)
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: ثنا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «يَا ابْنَ آدَمَ §لَا تَعْتَبِرِ النَّاسَ بِأَمْوَالِهِمْ وَلَا أَوْلَادِهِمْ وَلَكِنِ اعْتَبِرْهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ إِذَا رَأَيْتَ عَبْدًا صَالِحًا يَعْمَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ خَيْرًا فَفِي ذَلِكَ فَسَارِعْ، وَفِي ذَلِكَ فَنَافِسْ مَا اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ قُوَّةً وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»
وَقَالَ قَتَادَةُ: «إِنَّ §الذَّنْبَ الصَّغِيرَ يَجْتَمِعُ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلِهِ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يُهْلِكَهُ وَلَعَمْرِي إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ أَهْيَبَكُمْ لِلصَّغِيرِ مِنَ الذَّنْبِ أَوْرَعُكُمْ عَنِ الْكَبِيرِ»
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 200] " §هَذَا عَبْدٌ نَوَى الدُّنْيَا لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا شَخَصَ وَلَهَا نَصَبَ وَلَهَا عَمِلَ وَلَهَا هَمُّهُ وَنِيَّتُهُ وَسَدَمُهُ وَطَلَبَتُهُ {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] «هَذَا عَبْدٌ نَوَى الْآخِرَةَ وَلَهَا شَخَصَ وَلَهَا أَنْفَقَ، وَلَهَا عَمَلٌ، وَلَهَا نَصَبَ وَكَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ وَسَدَمَهُ وَطَلَبَتَهُ وَنِيَّتَهُ وَقَدْ عَلِمَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَزِلُّ زَالُّونَ مِنَ النَّاسِ فَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَأَوْعَدَ فِيهِ لِكَيْ تَكُونَ الْحُجَّةُ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ»
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يَقُولُ: «§مَا نَهَى الله عَنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَوْقُوعٌ وَلَكِنْ تَقْدُمَةٌ وَحُجَّةٌ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا شَيْبَانُ، قَالَ: ثنا قَتَادَةُ، قَالَ: " §اجْتَنِبُوا نَقْضَ هَذَا الْمِيثَاقِ -[337]- فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ قَدَّمَ فِيهِ وَأَوْعَدَ وَذَكَرَهُ فِي آيٍ مِنَ الْقُرْآنِ تَقْدُمَةً وَنَصِيحَةً وَحُجَّةً وَإِنَّمَا تُعَظَّمُ الْأُمُورُ بِمَا عَظَّمَهَا اللهُ عِنْدَ ذَوِي الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَالْعِلْمِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّا مَا نَعْلَمُ اللهَ تَعَالَى أَوْعَدَ فِي ذَنْبٍ مَا أَوْعَدَ فِي نَقْضِ هَذَا الْمِيثَاقِ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ حَيُّ الْقَلْبِ حَيُّ الْبَصَرِ سَمِعَ كِتَابَ اللهِ فَانْتَفَعَ بِهِ وَوَعَاهُ وَحَفِظَهُ وَعَقِلَهُ عَنِ اللهِ، وَالْكَافِرَ أَصَمُّ أَبْكَمُ لَا يَسْمَعُ خَيْرًا وَلَا يَحْفَظُهُ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِخَيْرٍ وَلَا يَعْلَمُهُ، فِي الضَّلَالَةِ مُتَسَكِّعًا فِيهَا لَا يَجِدُ مِنْهَا مَخْرَجًا وَلَا مَنْفَذًا أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ وَتَلَا قَوْلَهُ: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] قَالَ: خُصُومَةٌ عَلَّمَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْلَ الضَّلَالَةِ وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَكُمْ فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَكُمْ وَأَدَّبَكُمْ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَكُمْ فَأَخَذَ رَجُلٌ بِمَا عَلَّمَهُ اللهُ، وَلَا يَتَكَلَّفْ مَا لَا عِلْمَ بِهِ فَيَخْرُجَ مِنْ دِينِ اللهِ وَيَكُونَ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّكَلُّفَ وَالتَّنَطُّعَ وَالْغُلُوَّ وَالْإِعْجَابَ بَالْأَنْفُسِ، وَتَوَاضَعُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكُمْ قَدْ رَأَيْنَا وَاللهِ أَقْوَامًا يُسْرِعُونَ إِلَى الْفِتَنِ وَيَنْزِعُونَ فِيهَا وَأَمْسَكَ أَقْوَامٌ عَنْ ذَلِكَ هَيْبَةً لِلَّهِ وَمَخَافَةً مِنْهُ، فَلَمَّا انْكَشَفَتْ إِذِ الَّذِينَ أَمْسَكُوا أَطْيَبُ نَفْسًا وَأَثْلَجُ صُدُورًا وَأَخَفُّ ظُهُورًا مِنَ الَّذِينَ أَسْرَعُوا إِلَيْهَا وَيَنْزِعُونَ فِيهَا وَصَارَتْ أَعْمَالُ أُولَئِكَ حَزَازَاتٍ عَلَى قُلُوبِهِمْ كُلَّمَا ذَكَرُوهَا، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ النَّاسَ يَعْرِفُونَ مِنَ الْفِتْنَةِ إِذَا أَقْبَلَتْ كَمَا يَعْرِفُونَ مِنْهَا إِذَا أَدْبَرَتْ لَعَقِلَ فِيهَا جِيلٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ، وَاللهِ مَا بُعِثَتْ فِتْنَةٌ قَطُّ إِلَّا فِي شُبْهَةٍ وَرِيبَةٍ، إِذَا شَبَّتْ رَأَيْتَ صَاحِبَ الدُّنْيَا لَهَا يَفْرَحُ وَلَهَا يَحْزَنُ وَلَهَا يَرْضَى وَلَهَا يَسْخَطُ وَوَاللهِ لَئِنْ تَشَبَّثَ بِالدُّنْيَا وَحَدَبَ عَلَيْهَا لَيُوشِكُ أَنْ تَلِفَظَهُ وَتُقْضَى مِنْهُ "
الصفحة 336