كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 2)
الدُّنْيَا الْغُمُومُ وَالْأَحْزَانُ، فِي الْآخِرَةِ النَّارُ وَالْحِسَابُ فَأَيْنَ الرَّاحَةُ وَالْفَرَحُ إِلَهِي خَلَقْتَنِي وَلَمْ تُؤَامِرْني فِي خَلْقِي وَأَسْكَنْتَنِي بَلَايَا الدُّنْيَا ثُمَّ قُلْتَ لِي: اسْتَمْسِكْ فَكَيْفَ أسْتَمْسِكْ إِنْ لَمْ تُمَسِّكْني؟ إِلَهِي إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنْ لَوْ كَانَتْ لِي الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ثُمَّ سَأَلْتِنِيهَا لَجَعَلْتُهَا لَكَ فَهَبْ لِي نَفْسِي وَكَانَ يَقُولُ: لَذَّاتُ الدُّنْيَا أَرْبَعَةٌ: الْمَالُ وَالنِّسَاءُ وَالنَّوْمُ وَالطَّعَامُ، فَأَمَّا الْمَالُ وَالنِّسَاءُ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِمَا، وَأَمَّا النَّوْمُ وَالطَّعَامُ فَلَا بُدَّ لِي مِنْهُمَا فَوَاللهِ لَأَضُرَّنَ بِهِمَا جَهْدِي وَلَقَدْ كَانَ يَبِيتُ قَائِمًا وَيَظَلُّ صَائِمًا وَلَقَدْ كَانَ إِبْلِيسُ يَلْتَوِي فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَإِذَا مَا وَجَدَ رِيحَهُ نَحَّاهُ بِيَدِهِ ثُمَّ يَقُولُ: لَوْلَا نَتَنُكَ لَمْ أَزَلْ عَلَيْكَ سَاجِدًا وَهُوَ يَتَمَثَّلُ كَهَيْئَةِ الْحَيَّةِ وَرَأَيْتُهُ وَهُوَ يصَلَّى فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَمِيصِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ كُمِّهِ وَثِيَابِهِ فَلَا يَحِيدُ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُنَحِّي الْحَيَّةَ؟ فَيَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ أَخَافَ شَيْئًا غَيْرَهُ وَاللهِ مَا أَعْلَمُ بِهَذَا حِينَ يَدْخُلُ وَلَا حِينَ يَخْرُجُ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْجَنَّةَ تُدْرَكُ بِدُونِ مَا تَصْنَعُ وَإِنَّ النَّارَ تُتَّقَى بِدُونِ مَا تَصْنَعُ فَيَقُولُ: لَا حَتَّى لَا أَلُومَ نَفْسِي قَالَ: وَمَرِضَ فَبَكَى فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ وَقَدْ كُنْتَ وَقَدْ كُنْتَ فَيَقُولُ: مَا لِيَ لَا أَبْكِي وَمَنْ أَحَقُّ بِالْبُكَاءِ مِنِّي وَاللهِ مَا أَبْكِي حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا وَلَا جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ وَلَكِنْ لِبُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي وَإِنِّي أَمْسَيْتُ فِي صُعُودٍ وَهُبُوطٍ، جُنَّةٌ أَوْ نَارٌ فَلَا أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا أَصِيرُ "
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِمْصِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، قَالَ: «§انْتَهَى الزُّهْدُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ» فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ وَقَالَ: " لَأَجْتَهِدَنَّ فَإِنْ نَجَوْتُ فَبِرَحْمَةِ اللهِ وَإِنْ دَخَلْتُ النَّارَ فَلِبُعْدِ جَهْدِي وَكَانَ يَقُولُ: مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ رَغْبَةً فِيهَا وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ وَقِيَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَبْدِيُّ، ثنا أَبِي، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ الْقُرَشِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ، ثنا جَعْفَرٌ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ السَّائِحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَغَيْرُهُ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ " -[89]- كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْعَابِدِينَ وَفَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ يَقُومُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَزَالُ قَائِمًا إِلَى الْعَصْرِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ وَقَدَمَاهُ فَيَقُولُ: §يَا نَفْسُ إِنَّمَا خُلِقْتِ لِلْعِبَادَةِ يَا أَمَّارَةُ بِالسُّوءِ فَوَاللهِ لَأَعْمَلَنَّ بِكِ عَمَلًا حَتَّى لَا يَأْخُذُ الْفِرَاشُ مِنْكِ نَصِيبًا قَالَ: وَهَبَطَ وَادِيًا يقَالُ لَهُ وَادِي السِّبَاعِ وَفِي الْوَادِي عَابِدٌ حَبَشِيٌّ يُقَالُ لَهُ: حُمَمَةُ فَانْفَرَدَ عَامِرٌ فِي نَاحِيَةٍ وَحُمَمَةُ فِي نَاحِيَةٍ يُصَلِّيَانِ لَا هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى هَذَا وَلَا هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى هَذَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِذَا جَاءَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ صَلَّيَا ثُمَّ أَقْبَلَا يَتَطَوَّعَانِ ثُمَّ انْصَرَفَ عَامِرٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَجَاءَ إِلَى حُمَمَةَ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟ قَالَ: دَعْنِي وَهَمِّي قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ قَالَ: أَنَا حُمَمَةُ، قَالَ عَامِرٌ: لَئِنْ كُنْتَ حُمَمَةَ الَّذِي ذُكِرَ لِي لَأَنْتَ أَعْبُدُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، أَخْبِرْنِي عَنْ أَفْضَلِ خَصْلَةٍ قَالَ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ وَلَوْلَا مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ تَقْطَعُ عَلَيَّ الْقِيَامَ وَالسُّجُودَ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجْعَلَ عُمْرِي رَاكِعًا وَوَجْهِي مُفْتَرِشًا حَتَّى أَلْقَاهُ وَلَكِنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَدَعُنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ فَمَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ؟ قَالَ: أَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ قَالَ: إِنْ كُنْتَ عَامِرًا الَّذِي ذُكِرَ لِي فَأَنْتَ أَعْبُدُ النَّاسِ، فَأَخْبِرْنِي بِأَفْضَلِ خَصْلَةٍ قَالَ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ، وَلَكِنْ وَاحِدَةٌ، عَظَّمْتُ هَيْبَةَ اللهِ فِي صَدْرِي حَتَّى مَا أَهَابُ شَيْئًا غَيْرَهُ فَاكْتَنَفَتْهُ السِّبَاعُ فَأَتَاهُ سَبْعٌ فَوَثَبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْفِهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ وَعَامِرٌ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 103] فَلَمَّا رَأَى السَّبْعُ أَنَّهُ لَا يَكْتَرِثُ بِهِ ذَهَبَ قَالَ حُمَمَةُ: بِاللهِ يَا عَامِرُ مَا هَالَكَ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ أَهَابَ شَيْئًا غَيْرَهُ قَالَ حُمَمَةُ: لَوْلَا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ابْتَلَانَا بِالْبَطْنِ فَإِذَا أَكَلْنَا لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْحَدِيثِ مَا رَآنِي رَبِّي إِلَّا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَمَانِمِائَةِ رَكْعَةٍ وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ فِي الْعِبَادَةِ وَكَانَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ "
الصفحة 88