كتاب أمالي ابن الشجري (اسم الجزء: 2)

قال: فسقط فى أيدينا ليمينه، ثم أجمعنا على قصد عبيد الله، فحدّثنى بعض أصحابنا السّعديّين قال: فيمّمناه نتخطّى إليه الأحياء، فصادفناه فى مسجده، يصلّى بين العشاءين، فلما سمع حسّنا أوجز فى صلاته، ثم أقبل علينا، فقال: حاجتكم، فبدر رجل منّا كان أحسننا نفثة (¬1)، فقال: نحن، أعزّ الله القاضى، قوم نزعنا إليك من طريق (¬2) البصرة، فى حاجة مهمّة، فيها بعض الشىء، فإن أذنت لنا قلنا، فقال: قولوا، فذكر يمين الرجل والشّعر.
فقال: أمّا قوله: «إنّ التى ناولتنى» فإنه يعني الخمر، وقوله: «قتلت» أراد مزجت بالماء، وقوله: «كلتاهما حلب العصير» يعنى الخمر ومزاجها، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السّحاب، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً} (¬3) انصرفوا إذا شئتم.
وأقول: إنّ هذا التأويل يمنع منه ثلاثة أشياء، أحدها: أنه قال: كلتاهما، وكلتا موضوعة لمؤنّثين، والماء مذكّر، والتذكير أبدا يغلّب على التأنيث، كتغليب القمر على الشمس، فى قول الفرزدق:
لنا قمراها والنّجوم الطّوالع (¬4)
¬_________
= نبّه البغدادى على الوهم فى «الحسن» فقال فى حاشيته المذكورة: «والحسن بفتحتين وكذا رواية الحريرى، ووقع فى الشرح تبعا لأمالى ابن الشجرى «الحسين» بزنة المصغر، وهو تحريف من الكتّاب».
(¬1) هكذا فى الأمالى، وحاشية البغدادىّ، وأصول الخزانة، وغيّره شيخنا عبد السلام هارون، رحمه الله، ليجعله «بقيّة» كما فى الأغانى، وفسّره: البقيّة: الفهم وثقوب الذهن، كما فى قول الله تعالى: أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ وفسّرها محقق الأغانى: أى أحسننا رأيا وفضلا، وإنما سمّى ذلك بقية؛ لأن الرجل يستبقى ممّا يخرجه أجوده وأفضله. قلت: وقوله: «كان أحسننا نفثة» فالنّفث: الإلقاء. وهذا التركيب يراد به سبيل المجاز، كأنه يريد: أحسننا لفظا وإدارة لوجوه الكلام، كما نقول: فلان ريقه حلو.
(¬2) فى الأغانى: طرف.
(¬3) سورة النبأ 14.
(¬4) فرغت منه فى المجلس الثانى.

الصفحة 424