كتاب أمالي ابن الشجري (اسم الجزء: 2)

والمذهب الآخر: أنه يجعل «ما» اسما مفردا مبتدأ، و «ذا» بمعنى الذى، وما بعده من الفعل والفاعل صلته، وموضعه رفع بأنه خبر «ما» ويرفع الجواب برفع «ما» فإذا قيل: ماذا أكلت؟ قدّره: أىّ شيء الذى أكلت؟ فيقال: خبز، أى الذى أكلت خبز، وهو خبر، وأنشد فى ذلك قول لبيد (¬1):
ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
التقدير عنده: ما الذى يحاول؟ أهو نحب أم ضلال وباطل، وقد قرئت الآية على وجهين: {وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (¬2) برفع {الْعَفْوَ} ونصبه، فالنصب عنده بتقدير: أيّ شيء ينفقون؟ قل: ينفقون العفو، والرفع بتقدير: أيّ شيء الذى ينفقون؟ قل: هو العفو، أو الذى ينفقون العفو.
وكذلك النصب فى قوله: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً} (¬3) تقديره: أيّ شيء أنزل ربّكم؟ قالوا: أنزل خيرا.
وتقدير الرفع فى قوله: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (¬4): أىّ شيء الذى أنزل ربّكم؟ قالوا: هو أساطير الأوّلين، فهذا لا يقدّر /فيه إلاّ «هو» ولا يقدّر فيه: «الذى أنزل» لأنه إخبار عن الكافرين، والكافر جاحد لإنزال القرآن.
وقد خولف سيبويه فى اختصاصه النّصب بتقدير، والرفع بتقدير آخر، فقيل: إنه يجوز مع نصب الجواب تقدير «ذا» بمعنى الذى، ومع رفعه تقدير
¬_________
(¬1) ديوانه، رضى الله عنه، ص 254، وكتاب الشعر ص 389، والجمل المنسوب للخليل ص 160، وهو بيت سيّار، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الرابع والسبعين.
(¬2) سورة البقرة 219. وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع، والباقون بالنصب. السبعة ص 182، والكشف 1/ 292، وتفسير الطبرى 4/ 292،346.
(¬3) سورة النحل 30.
(¬4) السورة نفسها 24.

الصفحة 444