كتاب شرح مختصر الروضة (اسم الجزء: 2)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَوَازِمِ بَيَانِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِقَامَتِهَا إِكْمَالُهَا وَإِتْمَامُهَا، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ حَالَ الْقِتَالِ ; فَكَانَ تَأْخِيرُهَا إِلَى وَقْتِ الْأَمْنِ مِنْ لَوَازِمِ إِقَامَتِهَا، وَكَذَلِكَ صُلْحُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْكُفَّارِ، عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا، هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التَّحْرِيمِ: 9] ، وَجِهَادُهُمْ مُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ صُلْحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: ثُمَّ يَتَفَرَّعُ لَنَا عَلَى هَذَا تَحْقِيقٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ، هَلْ يُضَافُ ثُبُوتُهُ إِلَى الْبَيَانِ، أَوْ إِلَى الْمُبَيَّنِ؟
فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى الْبَيَانِ، اتَّجَهَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ الَّتِي هِيَ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْكِتَابِ ; فَقَدْ نُسِخَتِ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ.
وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى الْمُبَيَّنِ ; فَقَدِ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَنْعِ الْوُقُوعِ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْقُرْآنِ الْمُجْمَلِ الَّذِي بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْقُرْآنِ ; فَمَا نَسَخَ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ مِثْلُهُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ يُضَافُ إِلَى الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ جَمِيعًا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَأْخَذُ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ.
وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ ; فَجَانِبُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مُتَرَجِّحٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْوُقُوعُ ; فَبِنَسْخِ تَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ بَعْدَ النَّوْمِ، إِذْ لَا يَتَّجِهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: كَانَ ثَابِتًا بِقُرْآنٍ مُجْمَلٍ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

الصفحة 319