كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

الأولى: هل يقطع في ربع دينار؟
الثانية: هل يقطع فيما دون ذلك؟
فحديثها مرفوعاً ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) يدل على المسألة الأولى بمنطوقة، ولا يدل على الثانية الا بمفهوم المخالفة، فكأنها لما ارادت الإحتجاج على انه لا يقطع في الشيء التافه، استضعفت ان تخصص القرآن بمفهوم المخالفة، فلم تحتج بهذا الحديث وعدلت الى ما رواه هشام عن أبيه عنها وكأنها كانت تجوز ان تكون قيمة ذاك المجن كانت أقل من ربع دينار، فأخبرت بما عندها، وهو انه اقل ما يقطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم وتركت النظر لغيرها.
فإن قيل فقد جاء في بعض روايات حديث عمرة عنها ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تقطع اليد الا في ربع دينار فصاعداً)) وهذا واضح الدلالة علىالمسألة الثانية.
قلت: هذا اللفظ مرجوح، والمحفوظ ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) اما في معناه كما يأتي بيانه ان شاء الله، وكأن من روى بلفظ: ((لا تقطع ... )) انما روى بالمعنى فصرح بمقتضى مفهوم المخالفة اذ تقرر هذا فلو صح عنها انها قالت: ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع اليد في ربع دينار)) لوجب حمله على انها انما اخذته من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) بناء على ان من شأنه - صلى الله عليه وسلم - ان يوافق فعله قوله، فإذا قال، ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) علم منه انه كان اذا رفع اليه في سرقة ربع دينار قطع، فإن لم يقع القطع بالفعل لعدم الرفع فهو واقع بالقوة.
و الحق ان ذاك اللفظ ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع فير ربع دينار فصاعداً)) لا يثبت عن عائشة، ولكن يمكن ان تكون تلك حال ابن عيينة سمع الحديث بلفظ (() تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً) فرواه تارة كذلك وذلك حين اعتنى بالحديث عنه تحديثه للحميدي كما مر، وتارة بلفظ ((القطع في ربع دينار))، وتارة ((السارق اذا سرق ربع دينار قطع)) وتارة: ((قالت عائشة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع في ربع دينار فصاعداً)) والثلاثة الأخيرة كلها من باب الرواية بالمعنى، اما الثاني والثالث فظاهر، وأما الرابع فلما استقر

الصفحة 115