كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

كذا قال ، وقد أقمنا الحجة الواضحة على انه لا اضطراب ولا تناقض(1) ثم قال :(( ورجعنا إلى أن الله عز وجل قال في كتابه : [ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ] فأجمعوا أن الله عز وجل لم يعن بذلك كل سارق وإنما عنى به خاصة ... فلا يدخل إلا ما قد أجمعوا أن الله تعالى عناه ، وقد أجمعوا أن الله تعالى عنى سارق العشرة الدراهم )).
أقول : عليه في هذا أمور :
الأول : دعواه الإجماع غير مقبولة وفي ( الفتح ) في تعداد المذاهب : (( الأول يقطع في كل قليل وكثير تافهاً كان أو غير تافه ، نقل عن أهل الظاهر والخوارج ونقل عن الحسن البصري ، وبه قال أبو عبد الرحمن أبن بنت الشافعي ... . الثالث مثل الأول إلا إن كان المسروق شيئاً تافهاً لحديث عروة الماضي . لم يكن القطع في شيء من التافه ، ولأن عثمان قطع في فخارة خسيسة وقال لمن يسرق السياط لئن عدتم لأقطعن فيه ، وقطع أبن الزبير في نعلين . أخرجها أبن أبي شيبة . وعن عمر بن عبد العزيز أنه في مد أو مدين . الرابع : تقطع في درهم فصاعداً وهو قول عثمان البتي ... من فقهاء البصرة وربيعة من فقهاء المدينة ... )) .
و أقول لا أرى هذه المذاهب الثلاثة إلا متفقة على إبقاء الآية على عمومها ، وإنما المدار على تحقق أسم (( السارق )) فإنه لا ريب أن عمومها إنما يتناول من يحق عليه أسم (( السارق )) وهذا لازم للمذهب الأول ، إذ يمتنع أن يقول عالم أن من أخذ حبه بر مثلاً حق عليه أسم (( السارق )) . وأما المذهب الثالث فلعل قائله نحا هذا المنحي أي أن الشيء التافه الذي لا يتبين أنه يحق على آخذه أسم (( السارق )) لا يتبين دخوله في الآية ، والقطع إنما هو على من يتبين دخوله فيها . وأما المذهب الرابع فالبتي وربيعة الرأي كانا ممن يتفقه ويتعانا الرأي والنظر ، فكأنهما رأيا أن التفاهة التي لا يتبين بها الدخول في الآية معنى غير منضبط فرأيا ضبطها بالدراهم .
الأمر الثاني : هب أنه سلم للطحاوي ما ادعاه من الإجماع ، فقد علمنا أن ظاهر القرآن وجوب القطع على كل سارق ، وظاهر القرآن حجة قطعاً ، ويوافقه حديث ( الصحيحين ) : (( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده )) ، وهذه الحجة لا يجوز الخروج عنها إلا بحجة ، فإن لا يثبت من السنة ما يوجب إخراج شيء من ذاك العموم رجعنا إلى الإجماع فإن كان هناك إجماع على خروج شيء ، فأما ما أختلف فيه فقيل بخروجه وقيل ببقائه فهو باق على ظاهر القرآن ، لأن القائلين بخروجه بعض الأمة ، وليس في قول بعض الأمة حجة يترك بها ظاهر القرآن .
فإن قيل : فقد أختلف النظار في العام الذي قد خص ، فقال بعضهم : إنه لا يبقى حجة في الباقي .
قلت : هذا قول مخالف لإجماع السلف ، وقد رغب عنه الحنفية أنفسهم ، وتمام الكلام في رده في أصول الفقه .
الأمر الثالث : هب أنه قويت دعوى الإجماع ، وقوي ما يترتب على ذلك من دعوى أن الآية صارت مجملة ، ففي السنة الثابتة ما يكفي ، فقد صح حديث أبن عمر ، وأندفع ما عورض به ، وصح حديث عائشة ، وبطلت دعوى اضطرأبية ، فثبت القطع في ثلاثة دراهم وفي ربع دينار ، وبقي النظر فيما هو أقل من ذلك ، وليس هذا موضع البحث فيه .
ثم ذكر الطحاوي خبر المسعودي عن القاسم عن أبن مسعود : (( لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم )) ورواه بعضهم عن المسعودي عن القاسم عن أبيه والمسعودي أختلط . ثم هو منقطع لأن القاسم لم يدرك أبن مسعود ، وكذلك أبوه عبد الرحمن نفى جماعة سماعة من

الصفحة 128