في ( السنن ) ج 8 ص 261 أثراً عن علي فيه : (( لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم )) ثم قال : (( هذا إسناد يجمع مجهولين وضعفاء))(1) . فقال ابن التركماني : (( قد جاء من وجه آخر ضعيف إلا أنه أجود من الرواية التي ذكرها البيهقي بلا شك . فروى عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار عن على قال : لا تقطع اليد في أقل من دينار أو عشرة دراهم. فعدل البيهقي عن هذه الرواية الى تلك لزيادة التشنيع )) .
... أقول : وهذه ليست مما يفرح به ، الحسن بن عمارة طائح ، قال شعبة : أفادني الحسن ابن عمارة سبعين حديثاً عن الحكم فلم يكن لها أصل )) . ونص شعبة على أمثلة منها ، سئل الحكم عنها فلم يعرفها . قال شعبة : (( قال الحسن بن عمارة : حدثني الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي – سبعة أحاديث ، فسألت الحكم عنها فقال : نا سمعت منها شيئاً )) وقال ابن المديني في الحسن بن عمارة : (( كان يضع )) .
المسلك الثالث : لبعض مشاهير الحنفية في هذا العصر . كان الرجل مشهوراً بطول الباع وسعة الاطلاع والوهد والعبادة ، (2) وكان يقرر أن أحاديث ( الصحيحين ) قطعية الثبوت .
__________
(1) قلت : بل هو ضعيف جداً فإن من رواته جويبراً وهو ابن سعيد البلخي أورده الذهبي في (( الضعفاء )) وقال : (( متروك الحديث )) . وقال الحافظ في (( التقريب )) : (( ضعيف جداً )) .
قلت : ومع هذا فهو خير من الحسن بن عمارة الآتية روايته ، فإنه لم ينسب إلى الكذب أو وضع ، بخلاف ابن عمارة ، فإنه أشد ضعفاً منه ، قد نسبوه إلى الوضع كما يأتي في الكتاب ، وقال الإمام احمد : أحاديثه موضوعة . فهل خفي هذا على ابن التركماني حتى زعم أن روايته أجود من رواية جوبير ، أم هو التعصب المذهب ؟!
(2) هو العلامة الشيخ محمد أنور الكشميرى ، وكلامه الذي أشار إليه المؤلف مذكور في كتابه (( فيض البارى على صحيح البخاري )) ( 4/446-447) ، وهو يجق كما وصفه كما وصفه المصنف في سعة العلم ، ولكنه مع الأسف لم يستفد كثيراً من علمه ، صده عن ذلك التقليد المتوارث مع أنه من أحق العلماء المتأخرين بالخلاص منه ، والاستقلال في النظر والاختيار ، فانظر إليه مثلا في موقفه من مسألة رفع اليدين في لبركوع التي لا يمكن للباحث في أدلتها إلا أن يقول بمشروعتها واستحبابها ، ولو كان حنيفاً غير متعصب مثل العلامة اللكنوي رحمه الله فإنه لم يسعه إلا أن يقول بمشروعيتها واستجابها في بحث له جيد في (( التعليق الممجد )) ، وأما الشيخ الكشميرى فلم يستطع التصريح بالاستحبات ، على الرغم من أن التحقيق الذي وصل إليه يلزمه ذلك ،- فهو يقول في الكتاب المذكور ( 2/257-259 ) : فقد ثبت الأمران عندي ( الرافع والترك ) ثبوتاً لا مرد له ، ولا خلاف إلا في الاختيار ، وليس في الجواز )) . ثم ثقل عبارة لأبي بكر الجصاص تؤيد ماذكره من الجواز ، ثم قال : (( فاسترحت حيث تخلصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع )) ! كذا قال ، وفي عبارة من الركعة ما لا يخفى ، وإذا قال بجواز الرفع وأراد الجواز الذي يستوى فيه الفعل والترك ، فلم 0يأت بشئ جديد بإثباته الرفع ، لأن القائلين به لايقولون بوجوبه ، وإن أراد به جوازاً مع ستحباب فهلا صرح به ، لأنه لم يجد في مذهبه من سبقه ألى ذلك ! ثم إذا صح ظننا به ، فهل كان يرفع يديه كسباً للثواب ، بل وبياناً للجواز ولو بالمعنى الأول ، علم ذلك عند أصحابه ، وظني أنه لم يفعل ، لغلبه العصبية المذهبية على من حوله . والله المستعان . ن