كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

الغالب – كما قيل بنحو ذلك في الزكاة . فأما إذا طابت نفس صاحبها فدفعها فلا إشكال . والحنفية لم ينكروا وجوب الإبل ، وإنما قالوا: إن الواجب هي أو ألف دينار ، أو عشرة آلاف درهم . وإن يتعين بالتراضي أو القضاء .
وأقول أما التراضي فلا إشكال فيه ، وكذلك القضاء إذا قضى القاضي بالإبل ، أو بذاك المبلغ من الذهب أو الفضة وهو قيمة الإبل . وأما إذا لم يكن ذلك قيمتها ، فجعل الخيرة للقاضي مناف للعدل وفتح لباب اتباع القضاة للهوى ، وأصول الشرع تأبى ذلك. والمقصود هنا انه مفسدة في جعل الزكاة من الإبل ، فإن الواجب الحقيقي هو أقل ما يتحقق به الصفة فالمستحق بين أن يحصل له حقه ، وأن يحصل له دونه برضاه ، وأن يحصل له فوقه برضا الدافع .
... وعلى فرض أن المقوم اخطأ في التقويم ، فالخطب سهل ، إنما هو خسارة مالية يجبرها الله عز وجل من فضله .
... واما المجن فإن قيل : إنه يقطع في سرقته مطلقاً بأي صفة كان فلا يخفى ما فيه ، وإن قيل : لا يقطع فيه إلا إذا كان بوصف مخصوص ، فما هو ذاك الوصف ؟ وما الدليل على تعيينه ؟ وإن قيل . لا يقطع فيه إلا إذا بلغت قيمته حداً معيناً كما يدل عليه قول أنس : (( سرق رجل مجناً على عهد أبي بكر فقوم خمسة دراهم فقطع )) فهذا قولنا وبطل هذا المسلك الطريف رأساً .
وإذا كان المسروق ذهباً أو فضة ، فعلى ذلك المسلك ينبغي أن ينظر هل هو قيمة مجن أولاً ؟ وهذا عكس المعروف المتعارف من اعتبار مقادير السلع بالذهب والفضة . وإذا كان المسروق سلعة أخرى احتيج الى تقويمين ، تقويم السلعة بالذهب أو الفضة ، وتقويم المجن الذي لم تبين صفته بالذهب أو الفضة ، واحتمال الخطأ في ذلك أشد من احتماله في تقويم واحد .
فإن قيل : إنما كان ذلك في أول الأمر ثم استقر الحال على العشرة الدراهم .
قلت : فهل كان الشارع يجهل عاقبة الأمر وقد قال الشاعر :
رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا

الصفحة 141