كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

وإذا كان المجن لا يصلح أن يجعل معياراً مستمراً ، فكذلك لا يصلح أن يكون معياراً موقتاً بلا ضرورة ولا حاجة .
فإن قيل : قد يكون صاحب هذا المسلك إنما عنى ذاك المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
قلت : فيلزم أن يكون ذاك المجن محفوظاً في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم في بيوت الخلفاء ، فكلما رفع سارق ، قوم المسروق ثم أخرج ذاك المجن فقوم بقيمة الوقت! وهذا باطل من وجوه :
منها انه لم ينقل ، ولو كان لنقل لغرابته ، ومنها أن النقل يأباه ، ومنها انه خلاف المعهود من براءة الشريعة عن مثل هذا التكلف الذي لا تبرره حكمة . وكثير مما تقدم يرد على هذا أيضاً . أ شد ذلك الداهية الدهياء وهي النسخ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فإن قيل : لعل صاحب هذا المسلك إما أراد أن ذلك التدرج واستقرار الأمر على عشرة الدراهم كان كله في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قلت ظاهر صنيعه خلاف ذلك لتنظيره بحد الخمر ، ولأنه لا يجهل أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شئ في ذكر العشرة ، (1) وإنما يصح إن صح شئ عمن بعده وبعد الخلفاء الراشدين . وهب أنه أراد ما زعمت ، لم يأت عليه بشبهة فضلاً عن حجة ، ويرد عليه أكثر ما تقدم . وكيف يقول : إن أحاديث ( الصحيحين ) قطعية الثبوت ثم ينسخها بما لم يثبت ؟ !
وأما قضية المهر فلم يثبت تحديده ، وإنما اقتسر الحنفية قياسه على ما يقطع فيه السارق، والأصل باطل ، والقياس أبطل .
وأما حد الخمر فالحق أنه أربعون . واستنبط الصحابة من تدرج الأمر في الخمر من حكم إلى أشد منه رعاية للحكمة جواز زيادة التشديد تعزيزاً ، واستأنسوا الزيادة بقولهم : (( إنه إذا سكر هذا ، وإذا هذا افترى )) (2) مع علمهم بأنه لا يلزم بمجرد الاحتمال حكم
__________
(1) قلت : في هذا نظر ، فإن المومى اليهىقد صرح بتصحيح حديث ابن عباس في العشرة !
(2) هذا لم يصح ، وهو مطل في إسناده ومتنه ، وقد بينت ذلك في (( إرواء الغليل )) .ن

الصفحة 142