كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

المرتد ولا حكم المطلق ولا غيرها ذلك مما يحتمل صدوره منه عند هذيانه ، والسرقة لم يقع في تحريمها تدريج ، لا من حال إلى أشد منها ، ولا من حال إلى أخف منها .
فإن قيل قد يقال ، إن للتدريج حكمة ، وهي أن الناس كانوا في ضيق فكان المسروق منه يتضرر بأخذ اليسير من ماله ، ثم اتسعوا فصار لا يتضرر إلا بأخذ أكثر من ذلك وهكذا .
قلت : تعقل الحكمة لا يثبت به الحكم ، مع أن ما ذكر تم يعارضه أن المناسب في زمن الضيق أن يخفف على السارق لكثرة الحاجة ، وقد شهدت الشريعة في الجملة لهذا المعنى دون الأول وذلك يدرء الحد عن المضطر ، وما يروى عن بعض السلف أنه لا قطع في زمن المجاعة (1) .
فإن قيل : إن المقدار لم يتغير في المعنى ، لأن السلع كلها أو غالبها تساير المجن ، فالسلعة المسروقة التي تكون قيمتها خمسة حين بلغ ثمن المجن خمسة ، كانت قيمتها ثلاثة حين كانت قيمة المجن ثلاثة ، وهكذا الدراهم نفسها ، فإن الثلاثة كانت أولاً تغنى غناء تغنيه أخيراً إلا الخمسة مثلاً .
قلت : هذا كله لا يغني فتيلاً فيما نحن بصدد ، ثم هو غير مستقيم ، فقد تغلوا سلعة وترخص أخرى ، ولا تزال تضطرب قيمتها ارتفاعاً وانخفاضاً إلى يوم القيامة ، ولماذا إذ كان لوحظ ذاك المعنى وقع التحديد أخيراً بالعشرة ؟ ! وقد يزيد الأتساع فتصير خمسة عشر لا تغني إلا غناء الثلاثة ، وقد يعود الضيق ويشتد أشد مما كان أولاً ، والمعروف إنما هو ضبط أثمان السله بالدنانير والدراهم ، لا ضبط الدنانير والدراهم بالسلع ، فكيف بالسلعة لا تنضبط ؟
وقد أطلت في رد هذا المسلك مع أنه لا يحتاج في رده إلى هذا كله ، ولكن دعا إلى ذلك شهرة قائلة . والله المستعان .
__________
(1) قلت يشير إلى ما روى عن عمر رضي الله عنهأنه قال : (( لا قطع في غدق ،ولا في عام سنة)).نده جهالة كما ىبينة في المصدر السابق (2496) .

الصفحة 143