الفائدة الثالثة : إن الشاهد الواحد لا يثبت به الحق بل لا بد معه من اليمين ، وقد يكبر على المدعي أن يحلف خشية أن يتهمه بعض الناس ، أو لأنه قد نسي القضية أو صفتها ، أو لأنه لم يحضرها وإنما حضرها مورثة الذي قد مات ، وقد يجن الدائن أو يموت ويكون وارثه صبياً أو مجنوناً فتتعذر اليمين وقت المطالبة فيتأخر القضاء بالحق إلى أن يكمل صاحبه او يموت .
فإن قيل : ذكر البخاري في ( الصحيح ) عن ابن شبرمة انه أحتج على أبي الزناد بالآية وذكر قوله تعالى [ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ] قال : (( قلت : إذا كانت يكتفى بشاهد شاهد ويمين المدعي فما يحتاج أن تذكر أحدهما الأخرى ؟ ما كان يصنع بذكر هذه الاخرى ؟ )) .
قلت : قد تقدم ما يعلم منه الجواب ، ولا بأس بإيضاحه فأقول : يصنع بذكر الأخرى أنه إذا كان الرجل باقياً حاضراً جائز الشهادة أن تتم فيكون ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأبعد عن الارتياب . ولا يتوقف ثبوت الحق على يمين المدعي وقد تكبر عليه أو تتعذر منه فيضيع الحق ، أو يتأخر كما تقدم . وإن كان الرجل قد مات أو عرض له ما فوت شهادته ، شهدت المرآتان وحلف المدعى معهما وثبت الحق كما هو مذهب مالك ، والظاهر أنه كان مذهب أبي الزناد ، وهو مذهب قوي فإن الآية أقامت المرأتين مقام الرجل ، وفي ( الصحيحين ) من حديث أبي سعيد الخدري في قصة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم العيد ومروره على النساء وموعظته لهن (( قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ قلن : بلى )) وهذا قاضٍ بأن شهادة المرأتين في ما تقبل فيه شهادتهن مثل شهادة رجل ، فأما إشتراط الآية لاستشهاد المرأتين أن لا يكون رجل فإنما هو والله اعلم لأن المطلوب في حق النساء الستر والصيانة ، والشهادة تستدعي البروز وحضور مجالس الحكام والتعرض لطعن المشهود عليه .
فقد أتضح بحمد الله تبارك وتعالى انه ليس في الآية ما يتجه معه أن يقال إن الحديث مخالف لظاهر القرآن ، بل ثبت أن فيها ما يشهد له بالصحة .
وأما المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة فذكروا هاهنا ما جاء في قصة الأشعث بن قيس