كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

علم ذا ولا ذاك ، وليس هناك محذور ، لأن من شأن المدعي أن يكون حريصاً على إظهار مل ما يؤمل أن ينفعه ، فلو كان له شاهد وامرأتان أو شاهد فقط أو امرأة واحدة وقيل له : (( شاهداك أو يمينه )) لقال لا أجد شاهدين ولكني أجد كذا ، وقد نازع في تحليف المدعى عليه كما في بقية القصة فإن فيها (( قلت يا رسول الله ما لي بيمينه ؟ وإن تجعلها تذهب بئري إن خصمي امرؤ فاجر )) أفتراه ينازع في هذا ويأخذ بما يشعر به قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كان ما قاله (( شاهداك )) فلا يقول : لي شاهد واحد إن كان له ؟
وأما الحديث الثاني فأوله يبين آخره ، ويدل على أن محل قوله (( اليمين على المدعى عليه )) حيث لا يكن للمدعى إلا دعواه فقط ، وكما أنه لا يتناول من له شاهدان لأنه لم يعط بمجرد دعواه ، وإنما أعطي بدعواه مع شهادة الشاهدين فكذلك لا يتناول من له شاهد ، لأنه إن أعطي فلم يعط بمجرد دعواه . وأما ما يقال : إن اختصاص المدعى عليه باليمين أصل من الأصول ، فحديث القضاء بشاهد ويمين المدعي مخالف للأصول ، فتهويل ، ويمكن دفعه بأن لما اقام شاهدا عدلا صار الظاهر بيده ، فاذا اصر المدعي عليه على الانكار فهو مدع لبطلان ذاك الظهور ، فقد صار المدعي في معنى المدعى عليه وصار المدعى عليه في معنى المدعي . ويمكن معارضته بأصل آخر ، وهو : انه لا يخالف المدعى عليه مع وجود بينة للمدعى .
فان قيل : ذاك إذا كانت بينة تامة .
قلت : لنا أن نمنع هذا . ويتحصل من ذلك أن المتفق عليه انه لا يمين للمدعي حيث لا شاهد له ، ولا يمين للمدعى عليه مع وجود بينة تامة ، ما إذا كان للمدعي شاهد واحد مترددا بين هذا الاصلين ، فيؤخذ فيه بالدليل الخاص به ، وقد ثبت الحديث بتحليف المدعي ، فان حلف صارت البينة في معنا التامة ، وان أبى صار في معنى من لا شاهد له أصلا . والله الموفق .
وأما الانقطاع الثاني وهو مبين في قيس وعمر وفلا وجه له، ولم يقله من يعتد به ،وقد تقدم ان البخاري كأنه استبعد صحة الحديث ، ثم لم يكن عنده إلا أن حدس إن عمرا لم يسمعه

الصفحة 152