كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

من ابن عباس ، وقد تقدم الكلام معه في ذلك ،وهو الذي يشدد في اشتراط العلم باللقاء ، فلو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرو لما تركه البخاري والتجأ إلي ذاك الحدس الضعيف الذي لا يجدي ، وقيس ولد بعد عمرو ومات قبله ، وكان معه في مكة وسمع كل منهما من عطاء وطاوس وسعد بن جبير ومجاهد وغيرهم ،وكان عمرو لا يدع الخروج الى المسجد الحرام والقعود فيه إلي أن مات ،كما تراه في ترجمة من(طبقات ابن سعد ) ، وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضا ، وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم ولم يدركهم قيس ، فهل يظن بقيس انه لم يلق عمرا وهوه معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات ؟ أو لم يكونا يصليان في المسجد الحرام الجمعة والجماعة ؟ أو لم يكونا يجتمعان في حلقة عطاء غيره في المسجد ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة اذرع. او يظن بقيس انه استنكف السماع من عمرو لأنه قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالا ؟ وقد قاتل الأستاذ اشد القتال لمحاولة دفع قولهم أن أبا حنيفة الذي ولد سنة ثمانين بالكوفة ونشأ بها ، معرضا عن سماع الحديث لم يسمع من انس الذي عاش بالبصرة وتوفي بها سنة إحدى وتسعين وقيل بعدها بسنه او سنتين ، وليس بيده إلا انه قد قيل : أن أبا حنيفة رأى أنسا ! وقد تعرضت لذلك في ترجمة احمد بن محمد بن الصلت من قسم التراجم ، ثم ترى الأستاذ هنا يجاري أصحابه في توهمهم الباطل مع وضوح الحال .
وسبب الوهم في هذا أن الطحاوي ذكر هذا الحديث فقال (( وأما حديث ابن عباس فمنكر لان قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عمرو بن دينار بشيء )) فتوهم جماعة من أخرهم الأستاذ الكوثري أن الطحاوي قصد بهذا أن قيسا عن عمرو منقطع لعدم ثبوت اللقاء بناء على القول باشتراط العلم به ، القول الذي رده مسلم في مقدمة ( صحيحه ) ، ونقل إجماع أهل العلم على خلافه .
وعبارة الطحاوي لا تعطي ما توهموه ، فانه ادعى أن الحديث منكر ، ثم وجه ذلك بقوله : (( لان قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء )) ولم يتعرض لسماعه منه ولقائه له

الصفحة 153