و فيه من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم إستهموا على سفينة ... .)) وفي (صحيح مسلم) وغيره عن عمران بن حصين: ((أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم أثلاثاً ثم أقرع بينهم فأعتق أثنين وأرق أربعة)) ووجه ذلك أن تصرف المريض مرض الموت وصية يصح منها الثلث فقط، ومن الأصول الشرعية مراعات أن تعتق الرقبة كاملة كما ثبت فيمن أعتق في حال صحته بعض مملوكة أنه يعتق عليه كله، وفيمن أتعق شركاً له في مملوك أنه أن كان المعتق موسراً عتق المعتوق كله وغرم المعتق قيمة ما زاد على نصيبه لشريكه، وإن كان معسراً فقد قال بعض أهل العلم: يعتق المملوك كله ويسعى في قيمة ما زاد على نصيب المعتق حتى يدفعها إلى الشريك، وقال آخرون: قد عتق منه ما عتق ويبقى باقيه على الرق. ومن المعنى في مراعاة عتق الرقبة كاملة أن مقصود العتق هو أن يحصل للملوك وعليه جميع الحقوق المختصة بالأحرار ويغني عن المسلمين غناء الحر، وليس المبعض كذلك، فإن من حقوق الأحرار ما لا يحصل له ولا عليه منها شيء، ومنها ما يحصل له جزء من فقط، ومع ذلك يكون التبعيض منشأ نزاع مستمر بين المبعض ومالك بعضه، فيلحق الضرر بكل منها، ويشتبه الحكم في كثير من الفروع على المفتي والقاضي، كما تراه في أحكام المبعض في كتب الفقه، فجاءة السنة بأن يجزأ الستة ثلاثة أجزاء ليعتق إثنان كاملان فكلهم متساوون في أصل الحق، واقتضى الدليل أن يخص إثنان منهم وبقي التعيين، فهذه الصورة من الباب الرابع الذي وردت فيه القرعة. فثبت أن القرعة في ذاك الباب أصل من الأصول الشرعية قرره الكتاب والسنة، وإقتضاه العدل والحكمة.
و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه وسلم.