كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

فيرى أنه إن اعترف كان معنى ذلك اعترافه بأنه ناقص ، وأن ذلك الرجل هو الذي هداه ، ولهذا ترى من المنتسبين إلى العلم من لا يشق عليه الإعتراف بالخطأ إذا كان الحق تبين له ببحثه ونظره ، ويشق عليه ذلك إذا كان غيره هو الذي بين له .
الوجه الرابع : الحسد وذلك إذا كان غيره هو الذي بين الحق فيرى أن اعترافه بذلك الحق يكون اعترافاً لذلك المبين بالفضل والعلم والإصابة ، فيعظم ذلك في عيون الناس ، ولعله يتبعه كثير منهم ، وإنك لتجد من المنتسبين إلى العلم من يحرص على تخطئه غيره من العلماء ولو بالباطل ، حسداً منه لهم ، ومحاولة لحط منزلتهم عند الناس .
ومخالفة الهوى للحق في العلم والإعتقاد قد تكون لمشقة تحصيلية ، فإنه يحتاج إلى البحث والنظر ، وفي ذلك مشقة ويحتاج إلى سؤال العلماء والإستفادة منهم وفي ذلك ما مر في الاعتراف ويحتاج إلى لزوم التقوى طلباً للتوفيق والهدى وفي ذلك ما فيه من المشقة . وقد تكون لكراهية العلم والإعتقاد نفسه وذلك من جهات ، الأول ما تقدم في الاعتراف فأنه كما يشق على الإنسان أن يعترف ببعض ما قد تبين له ، فكذلك يشق عليه أن يتبين بطلان دينه ، أو اعتقاده ، أو مذهبه ، أو رأيه الذي نشأ عليه ، واعتر به ، ودعا إليه ، وذهب عنه ، أو بطلان ما كان عليه آباؤه وأجداده وأشياخه ، ولا سيما عندما يلاحظ أنه أن تبين له ذلك تبين أن الذين يطريهم ويعظمهم ، ويثنى عليهم بأنهم أهل الحق والإيمان والهدى والعلم والتحقيق ، هم على خلاف ذلك ، وإن الذين يحقرهم ويذمهم ويسخر منهم وينسبهم إلى الجهل والضلال والكفر هم المحقون ، وحسبك ما قصه الله عز وجل من قول المشركين ، قال تعالى : [ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ]
( الأنفال : 32 ) فتجد ذا الهوى كلما عرض عليه دليل لمخالفيه أو ما يوهن دليلاً لأصحابه شق عليه ذلك وأضطرب وأغتاظ وسارع إلى الشغب ، فيقول في دليل مخالفيه : هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات ، وهذا المذهب مذهب باطل لم يذهب إليه إلا أهل الزيغ والضلال ... . ، ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه وأشياخه ويعدد المشاهير منهم ويطريهم

الصفحة 181