كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

بالألفاظ الفخمة ، والألفاظ الضخمة ، ويذكر ما قيل في مناقبهم ومثالب مخالفيهم ، وإن كان يعلم أنه لا يصح ، أو أنه باطل !
ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على الناس أنهم - كما تراهم - على أديان مختلفة، ومقالات متباينة ، ومذاهب متفرقة ، وآراء متدافعة ثم تراهم كما قال الله تبارك وتعالى :[ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ] .
فلا تجد من ينشأ على شيء من ذلك ويثبت عليه يرجع عنه إلا القليل ، وهؤلاء القليل يكثر أن يكون أول ما بعثهم على الخروج عما كانوا عليه أغراض دنيوية .
ومن جهات الهوى أن يتعلق الاعتقاد بعذاب الآخرة فتجد الإنسان يهوى أن لا يكون بعث لئلا يؤخذ بذنوبه ، فإن علم أنه لا بد من البعث هوي أن لا يكون هناك عذاب ، فإن علم أنه لا بد من العذاب هوي أن لا يكون على مثله عذاب كما هو قول المرجئة ، فإن علم أن العصاة معذبون هوي التوسع في الشفاعة - وهكذا .
ومن الجهات أنه لا شق عليه عمل كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هوي عدم وجوبه ، وإذا ابتلي بشيء يشق عليه أن يتركه كشرب المسكر هوي عدم حرمته . وكما يهوى ما يخفف عليه فكذلك يهوى ما يخفف على من يميل إليه ، وما يشتد على من يكرهه ، فتجد القاضي والمفتي هذه حالهما . ومن المنتسبين إلى العلم من يهوى ما يعجب الأغنياء وأهل الدنيا ، أو ما يعجبه العامة ليكون له جاه عندهم وتقبل عليه الدنيا، فما ظهرت بدعة ، وهويها الرؤساء والأغنياء وأتباعهم إلا هويها وإنتصر لها جمع من المنتسبين إلى العلم ، ولعل كثيراً ممن يخالفها إنما الباعث لهم عن مخالفتها هوى آخر وافق الحق ، فأما من لا يكون له هوى إلا إتباع الحق فقليل ، ولا سيما في الأزمنة المتأخرة ، وهؤلاء القليل يقتصرون على أضعف الإيمان ، وهو الإنكار بقلوبهم والمسارة به فيما بينهم ، إلا من شاء الله .
فإن قيل : فلماذا لم يجعل الله عز وجل جميع حجج الحق مكشوفة قاهرة لا تشتبه على أحد ، فلا يبقى إلا مطيع يعلم هو وغيره أنه مطيع ، وإلا عاص يعلم هو وغيره أنه عاص ،

الصفحة 182