كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

صلى الله عليه وآله وسلم يرونها تغرب في مغربها على العادة ثم يرونها في اليوم الثاني طالعة من مغربها ، وأما سكان الوجه الأخر فإنها تطلع عليهم من مشرقهم على عادتها ، ثم يرونها تسير إلى مغربها ما شاء الله ثم ترجع القهقري حتى تغرب فلي مشرقهم . وعلى زعم (1) أن الأرض هي التي تدور ، فإن دورة الأرض تنعكس ما ذكر .
فأما إيمان الناس جميعاً فوجهه والله أعلم أن النفوس مفطورة على اعتقاد وجود الله عز وجل وربوبيته ، ومن شأن ذلك أن يسوق إلى بقية فروع الإيمان ، وآيات الآفاق والأنفس تؤكد ذلك ، ولكن الشبهات والأهواء تغلب على أكثر الناس حتى يرتابوا فيتبعوا اهوائهم ، فإذا طلعت الشمس من مغربها لحقهم من الذعر والرعب لشدة الهول ما يمحق أثر الشبهات والأهواء وتفزع النفوس إلى مقتضى فطرتها ، قال الله تعالى في ركاب البحر : [ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ] لقمان: 32 .
فتلك الآية في حق من يكون قد بلغه أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بها حجة مكشوفة قاهرة ، وكذلك هي في حق من لم يبلغه لكن بمعونة الرعب والفزع وشدة الهول .
وقد دلت الآية على أن من لم يكن آمن قبل تلك الآية لا ينفعه إيمانه عندها ، ومن لم يكن من المؤمنين قبل يكسب الخير لا ينفعه كسب الخير عندها وفهم من ذلك أن من كان مؤمنا قبلها ينفعه الإيمان عندها ، ومن كان من المؤمنين يكسب الخير قبلها ينفعه كسب الخير عندها ، والنظر يقتضي أنه إنما ينفعه من كسب الخير عندها ما كان عادة له، وفي ( صحيح البخاري ) وغيره من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :(( إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً )) . وجاء نحوه من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص وأنس وعائشة وأبي هريرة ، وأشار إليها ابن حجر في ( الفتح ) .
__________
(1) كذا قول المصنف رحمه الله ، ولعله من باب التقية ، وإلا فكون الأرض تدور في الفضاء أصبحت من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل ، وليس في الكتاب ولا في السنة نص ينافي ذلك ، خلافاً لبعضهم . ن

الصفحة 185