وفي القرآن آيات كثيرة في أن الله تعالى لا يهدي الكافرين ، والمراد بهم من استحكم كفرهم وليس كل كافر كذلك ، فقد روى هدى الله تعالى ويهدي من لا يحصى من الكفار ، وإنما الحق أن لا يهدي الله تعالى من استكم كفره .
3 – فصل
وكما اقتضت أن الحكمة أن لا تكون حجج الحق مكشوفة (1) قاهرة فكذلك اقتضت أن لا تكون الشبهات غالبة ، قال الله عز وجل : [ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ . وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ] الزخرف:33 – 35 .
وذلك انه لو كان كل من كفر بالله تعالى بذلك النعيم دون المؤمنين ، لكانت تلك شبهة غالبة توقع الناس كلهم في الكفر .
فتخلص أن حكمة الحق في الخلق اقتضت أن تكون هناك بينات وشبهات ، وأن لا تكون البينات قاهرة ولا الشبهات غالبة ، فمن جرى مع فطرته من حب الحق ورباها ونماها وآثر مقتضاها ، وتفقد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها ، لم تزل تتجلى له البينات وتتضاءل عنده الشبهات ، حتى يتجلى له الحق يقيناً فيما يطلب فيه اليقين ، ورجحاناً فيما يكفي فيه الرجحان ، وبذلك يثبت له الهدى ويستحق الفوز ، والحمد والكمال على ما يليق بالمخلوق ، ومن اتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا ، تبرقعت دونه البينات ، واستهوته الشبهات ، فذهبت به ( إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم ) .
4 – فصل
إن قيل : لا ريب أن الانسان ينشأ على دينه واعتقاد ومذهب وآراء يتلقاها من مربيه
__________
(1) الحق أن حجج الله تعالى التي سماها بينات هي مكشوفة واضحة لا خفاء بها وإنما تحفى على من في قلبه كن وفي أذنيه وقر وعلى بصره غشاوة من هواه وأخلاقه وما اعتاد . م ع . أنظر التعليق ص 182 . ن