و معلمه ، ويتبع فيها أسلافه وأشياخه الذين تمتلئ مسامعه بإطرائهم ، وتأكيد أن الحق ما هم عليه وبذم مخالفيهم وثلبهم ، وتأكيد أنهم على الضلالة ، فيمتلئ قلبه بتعظيم أسلافه وبغض مخالفيهم ، فيكون رأيه وهواه متعاضدين على اتباع أسلافه ومخالفة مخالفيهم ، ويتأكد ذلك بأنه يرى أنه إن خالف ما نشأ عليه رماه أهله وأصحابه بالكفر والضلال ، وهجروه وآذوه وضيقوا عليه عيشته ، ولكن هذه الحال يشترك فيها من نشأ على باطل ومن نشأ على حق ، فإذا دعونا الناس إلى الاستيقاظ للهوى وبينا لهم أثره وضرره ، فمن شاء ذلك أن يشككهم فيما نشأوا عليه ، وهذا إنما ينفع من نشأ على باطل ، فأما من نشأ على حق فإن تشكيكه ضرر محض لأن غالب الناس عاجزون عن النظر .
قلت : المطالب على ثلاثة أضرب :
الأول : العقائد التي يطلب الجزم بها ولا يسع جهلها . الثاني : بقية العقائد .الثالث : الأحكام .
فأما الضرب الأول فسنبين إن شاء الله تعالى أن النظر فيه ميسر لكل أحد ، وأن النظر العقلي المتعمق فيه لا حاجة إليه وهو مثار الشبهات ، وملجأ الهدى ومنشأ الضلال ، كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى ، فمن استجاب لتلك الدعوة إلى النظر الفطري الشرعي مخلصاً من شوائب الهوى ، فإن كان النظر سابقاً على حق فإنه يتبين له بهذا النظر أنه حق ، فيلزمه وقد صفا له وخلص ، ونجا من اتباع الهوى وصفت له الطمأنينة .
وأما الضرب الثاني فمن كان قائلاً بشئ منه عن حجة صحيحة فإن الاستجابة لتلك الدعوة لا تزيد تلك الحاجة إلا وضوحاً مع الخلاص عن الهوى ، وإلا فالجهل بهذا الضرب خير من القول فيه بغير حجة وإن صادف الحق .
وأما الضرب الثالث فالمتواتر منه والمجمع عليه لا يختلف حكمه ، وما عداه قضايا اجتهادية يكفي فيها بذل الوسع لتعرف الراجح أو الأرجح أو الأحوط فيؤخذ به . وإنما يجئ البلاء فيها من أوجه :
الأول : التقصير في بذل الوسع .