أن يكون الناس امة واحدة لابتلى الله المؤمنين بما لم تجر به العادة من شدة الفقر والضر والخوف والحزن وغير ذلك، وحسبك أن الله عز وجل ابتلى أنبيائه وأصفيائه بأنواع البلاء.و في (الصحيحين) من حديث كعب بن مالك قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيؤها الرياح تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى يأتي أجله، ومثل المنافق كمثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شئ حتى يكون انجعافها مرة واحدة)) وفي (الصحيحين) أيضاً نحوه من حديث أبي هريرة. ومعنى الحديث والله أعلم أن هذا من شأن المؤمن والمنافق فلا يلزم منه أن كل منافق تكون تلك حاله لا يناله ضرر ولا مصيبة إلا القاضية.
المقصود من الحديث تهذيب المسلمين فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب ويتلقاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجياً أن تكون له عند ربه عز وجل، ولا يتمنى خالصاً من قلبه النعم ولا يحسد أهلها، ولا يسكن إلى السلامة والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقاها بخوف وحذر وخشية أن تكون إنما هيئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله عز وجل، فلا يخلد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يعجب بما أوتيه ولا يستكبر ولا يغتر، ولم يتعرض الحديث لحال الكافر لأن الحجة عليه واضحة على كل حال. وأخرج الترمذي وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص قال ((سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل،، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه ... )) الحديث قال الترمذي: ((حسن صحيح)) (1) وقد ابتلى الله تعالى أيوب بما هو مشهور (2). وابتلى يعقوب بفقد ولديه وشدد أثر ذلك على قلبه فكان كما قصه الله عز وجل في كتابه: [وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأبيضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ] يوسف:84. وابتلى محمداً عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في أوائل السيرة، فكلفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعاً
__________
(1) أنظر تخريجه وطرقه في ((الأحاديث الصحيحة)) (143). ن
(2) راجع حديثه في المصدر السابق رقم (17).