كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

لآبائهم من الشرك والضلال، ويصارحهم بذلك سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، ويدور عليهم في نواديهم ومجتمعاتهم وقراهم، فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة وهم يؤذونه أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف أن يؤذي، إذ كان من قبيلة شريفة محترمة موقرة في بيت محترم موقر، ونشأ على أخلاق كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه، ثم كان ذلك على غاية الحياء والغيرة وعزة النفس، ومن كانت هذه حاله يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى ويشق عليه غاية المشقة الاقدام على ما يعرضه لأن يؤذى، ويتأكد ذلك في جنس ذاك الايذاء، هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وهذا يبصق في وجهه - بأمبي هو وأمي -، وهذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سلى (1) الجزور على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنقه، وهذا ينخس دابته حتى تلقيه (2)، وهذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه ويحذر الناس منه ويقول: إنه كذاب، وإنه مجنون، وهؤلاء (3) يغرون به السفهاء فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً، وهؤلاء يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعاً، وهؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك ظهره، ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم (4) بالحربة في فرجها فقتلها، (5) كل ذلك لا لشئ. إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور،
__________
(1) السلا: غشاء جنين البهيمة. م ع
(2) نخس الدابة كان لزينب بنت الرسول فسقطت عنها ز أجهضت حينما هاجرت رضي الله عنها م ع
يقول المؤلف: بل روي مثل ذلك في شأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، راجع ترجمة ضباعة بنت عامر من ((الاصابة)). قلت: لكن في إسناد الرواية المشار إليها الكلي وهو متهم! ن
(3) هم كبراء الطائف عندما عرض نفسه عليهم ليحموه من قريش فردوا عليه رداً قبيحاً وأغروا به السفهاء. م ع
(4) أبو جهل قبحه الله، والمرأة سمية أم عمار. م ع
(5) من تدبر هذه الحال علم أنها من أعظم البراهين على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة، فإن العادة تحيل أن يقدم مثله في أخلاقه وفيما عاش عليه أربعين سنة لما يعرضه لذلك الإيذاء ثم يصبر عليه سنين كثيرة وله مندوحة، ولهذا كان العارفون به من قومه لا ينبسونه إلى الكذب وإنما يقولون: مسحور، مجنون. قال الله تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). المؤلف

الصفحة 192