كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

شرعاً فأما المطلوب شرعاً فإن الله تعالى أعد العقول العادية لإدراكه ، وأعد لها ما يسددها فيه من الفطرة والآيات الظاهرة في الآفاق الظاهرة والأنفس ، ثم أكمل ذلك بالشرع ، فإذا انقاد العقل العادي للشرع وامتثل هداه واستضاء بنوره فقد أمن ما يخشى من قصوره .
وأما المأخذ الثاني وهو الشرع ، فما عسى أن يقال فيه ، وإنما هو كلام الله عز وجل وكلام رسوله ، لا يخشى فيه ولا خطأ ، وكذب ، ولا تلبيس ، ولا تقصير في البيان [ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ] .
هذا ، والله سبحانه إنما خلق الناس ليكملوا بعبادته كما أمر في المقدمة ، وهو سبحانه الحكيم العليم القدير ، فلابد أن يكون خلقهم على الهيئة التي ترشحهم لمعرفته ومعرفة ما فرض عليهم الإيمان به ، لأن ذلك رأس العبادة وأساسها ، ولا نزاع أن الميسر لهم قبل الشرع هو المأخذ الأول ، فلابد أن يكون فيه ما يغني يما ثبت به الشرع بعد تنبيه الشرع ، ثم يكون فيه وفي الشرع ما يكفي لتحصيل القدر المطلوب منهم ، ويؤكد هذا أن تحصيل الدرجة التي يعتد بها في النظر العقلي المتعمق جداً ، قال ابن سينا كما في ( مختصر الصواعق ) (1) 1 / 243 (( فإن المبرزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تثقيف أذهانهم وتذكيه إفهامهم وترشيح نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل وبيان شرح عبارة )) .
فمن الممتنع أن يكلف الله تعالى جميع عباده بهذا ، ومن الممتنع أن يكتفي منهم في الأصول التي يلزمهم اعتقادها بالتقليد الصرف لمن ليس بمعصوم ، كيف وقد علم سبحانه أن النظار سيختلفون ، فيكون فيهم المحق والمبطل ، ومعرفة العامة بالمحق مع جهلهم بما هو الحق وعدم العصمة ظاهر الامتناع .
وقد نص الله تبارك وتعالى في كتابه على أنه خلق الناس على الهيئة التي ترشحهم لمعرفة الحق . قال الله تعالى : [ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ
__________
(1) الصواعق للإمام ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى ورضى عنهم . محمد عبد الرزاق

الصفحة 205