كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ] سورة الروم : 30
و عدم العلم إنما هو لأمرين :
الأول : ما يطرأ على الفطرة مما يغشاها فيصرف عن مراعاتها ، وفي ( الصحيحين ) من طرق عن أبي هريرة قال : (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة : وأقرءوا إن شئتم [ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ] الآية )) . لفظ مسلم من الحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة .
الثاني : الإعراض عما أعده الله تعالى لجلاء الفطرة عن تلك الغواشي وهو الشرع ، قال الله تبارك وتعالى : [ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ] خواتيم الشورى .
هذا ، وقد أرسل الله تبارك وتعالى رسله ، وأنزل كتبه ، وفرض شرائعه ، معرضاً عن علم الكلام والفلسفة ، فأرسل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس ، واختار أن يكون أول من يدعى إلى الحق العرب الأمين ، وكلفهم بالنظر والأيمان ، وقبل أيمان من آمن منهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس ، وبأنهم هم المؤمنون حقاً وقضى بقيام الحجة على من كفر منهم ، ولم يكن فيهم أثر لعلم الكلام ولا الفلسفة ، ولا أرشدهم الشرع إلى تحصيل ذلك بل حذرهم منه ، هذه سورة ( الفاتحة ) أعظم سورة في أعظم كتاب أنزله الله تبارك وتعالى ، فرض الله سبحانه على العباد قراءتها في كل يوم بضع عشرة مرة وفيها [ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ] .
ومعلوم من أمره إياهم بسؤال الهداية إلى هذا دون ذاك أنه يأمرهم بلزوم هذا واجتناب ذاك والمنعم عليهم هم الأنبياء ومن اهتدى بهديهم ، فهم من هذه الأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وخيار أصحابه ومن اهتدى بهديهم ممن بعدهم .

الصفحة 206