كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و لا خفاء أن المأخذين السلفيين هما سراط هؤلاء ، وأن علم الكلام والفلسفة ليسا من سراطهم ، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير (( المغضوب عليهم والضالين )) باليهود والنصارى ، لا خفاء أن موسى وعيسى عليهما السلام ومن كان على هديهما هم من المنعم عليهم ، وإنما وقع الغضب والضلال على اليهود والنصارى الذين خالفوا هدي موسى وعيسى وأصحابهم وأتباعهم المهتدين بهديهم ، وكان من تلك المخالفة الأخذ في علم الكلام والفلسفة إتباعاً لسراط الأمم التي هي أوغل في الضلال كاليونان والرومان . (1) فمن الواضح الذي لا يخفى على أحد أن علم الكلام والفلسفة ليسا من سراط المنعم عليهم بل هما من سراط المغضوب عليهم والضالين . فثبت بهذا أوضح ثبوت أن الشرع لم يقتصر عن الإعراض عن علم الكلام والفلسفة ، بل حذر منهما ونفر عنهما ، فهل يقول مسلم بعد هذا أن المأخذين السلفيين غير كافين في معرفة الحق في العقائد ، وأن ما يؤخذ من علم الكلام والفلسفة مقدم عل المأخذين السلفيين ومهيمن عليهما ؟ !
وقد قال الله تبارك وتعالى لمحمد وأصحابه : [ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ] آل عمران : 110 . وقال تعالى : [ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ ] كَرِيمٌ الأنفال : 74 .
والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وقال تعالى : [ِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ] المائدة : 3 وإكمال الدين وكمال إيمان الصحابة صريح في أن جميع العقائد المطلوب معرفتها في الإسلام كانت مبنية موضحة حاصلة لهم . وليس هذا كالأحكام العملية ، فإنه لا يطلب معرفته ما لم يقع سببه منها فقد يكتفي في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببيان الأصل الذي إذا رجع إليه عند وقوع سبب الحكم عرف منه الحكم . ثم رأيت في ( شرح المواقف ) بعد ذكر الأحكام العملية ما لفظه : (( وإنها لا تكاد تنحصر في عدد ، بل تتزايد بتعاقب الحوادث الفعلية فلا يتأتى أن يحاط بها ... . بخلاف العقائد فإنها مضبوطة لا تزايد فيها أنفسها فلا تعذر الإحاطة بها )) . وأيضاً فتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند
__________
(1) والهند والفرس بل أن الهند والفرس أعرق بالفلسفة من الرومان ، إنما أشتهر الرومان بنظام الدولة ووضع القانون المدني لها . م ع .

الصفحة 207