ومما يقوي ذلك القدح أنه توطأ جماعة على تشكيك إنسان في بعض ما يحس به ويجزم ، ولم يشعر بتواطئهم لأمكنهم تشكيكه ، بل ربما يكفي لتشكيكه واحد ، بل يتشكك بنفسه إذا كان يرى أن هناك ما يحتمل التغليط كالسحر .
هذا وقد رد علماء الطبيعة المتأخرون عدة نظريات ذهب إليها الفلاسفة مسندين لها إلى الحس ، ومن ذلك ما كانوا جازمون به ويبنون عليه مقالات أخرى حتى في الإلهيات، وتعد ذلك من اليقينيات التي يوجب أسلاف الكوثري رد ما يخالفها من كلام الله تعالى وكلام رسوله .
ففن قيل : فماذا يقول السلفيون ؟
قلت : من تدبر أمثلة الغلط وجدها على ضربين ، ضرب يخشى أن يكون سبباً قريباً لمضار ومفاسد ، وضرب لا يخشى فيه ذلك ، لكن يخشى أن يغلط فيه المتعمقون فيبنوا عليه نظريات تعظم مفاسدها . ووجد الضرب الأول جميعه مما ينكشف فيه الحال عن قرب فمنه أن الإنسان إذا تحاول (1) رأى الشيء أثنين ، ولو كان هذا مما يتكرر للإنسان بغير شعوره لأوجب ضرراً ومفاسد ، فأقتضت عناية الله عز وجل أن لا يكون ذلك ، بل اقتضت أن يرى الأحول الشيء واحد كغيره مع أنه كان يجب أن يرى الشيء أثنين كالمتحاول . وهذا كما اقتضت العناية أن يكون لكل إنسان صورة يمتاز بها عن جميع الناس فلا يلتبس بصاحبك الذي عرفته معرفة محققة أح من أهل الأرض ، وهكذا ترى العناية شاملة ، والله عز وجل إنما خلق الناس لعبادته ، فإذا كانت عنايته به في معاشهم على ما تقدم وهو وسيلة فقط ، فأولى من ذلك عنايته بهم في المقصد الذي لأجله خلقهم، وهذا يقتضي حفظ المأخذ السلفي الأول عن أن يستمر فيه غلط حسي يؤدي إلى ضلال في الاعتقاد ، على أنه لو كان شيء من ذلك لكشفه المأخذ السلفي الثاني وهو الشرع . فأما المتعمقون فإنهم هم الذين يجلبون الضرر على أنفسهم فلا بدع أن يكلمهم الله عز وجل إلى أنفسهم بل ويزيدهم ضلالاً إلى ضلالهم ، ونظير ذلك أن الله تبارك وتعالى إنما هيأ
__________
(1) أي صرف إحدى عينيه عن الأخرى حتى ترى كل واحد منهما غير ما تراه الأخرى . م ع