كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

قال الشارح ، وفيه ان القادحين لم يستندوا إلى الإمكان الذاتي المشترك بين أمثلتهم ومثال الشارح ، وإنما استندوا إلى احتمال الوقوع في نفس الأمر ، فإن أحجار البيت كما يمكن بالإمكان الذاتي انقلابها جواهر ، فإنه يحتمل وقوع الانقلاب بعد خروجك وليس مثال الشارح هكذا ، فإنه مفروض في الحاضر المشاهد ، وقد قال تبارك وتعالى : [ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ ] إلى أن قال تعالى [ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى . قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى . فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى . قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ] طه : 9 – 21 فلما كان موسى عليه السلام مع أهله كانوا يشاهدون عصاه فيجزمون بأنها عصا لم تنقلب حية ، فهذا جزم كالجزم في مثال الشارح ، ثم لما فارقهم وأمر بإلقاء عصاه وانقلبت حية إذ كان أهله – وهو غائب عنهم – يجزمون في الوقت الذي انقلبت فيه حية يجزمون بمقتضى العادة أنها لم تنقلب حية . فهذا جزم كالجزم في أمثلة القادحين ، ولا يخفى الفرق بين الجزمين وأنه لا يلزم من صحة الأول صحة الثاني ، ولا من القدح في الثاني القدح في الأول ، وإن الثاني في قصة أهل موسى مخالف للواقع ، وفي أمثلة القادحين محتمل لذلك فكيف يقال أنه جزم واقع موقعه ؟
دع عنك خرق العادة ويغني عنه النقص العادي الذي لم يعهد كالرجل يمسي بالمغرب ثم يصبح في المشرق فإن هذا كان من المحال العادي عند الناس ، فانتقض بالطيارات فلو بقي الآن أهل جهة لم يسمعوا بخبر الطيارات لكانوا يجزمون بامتناع ما هو واقع بدون خرق عادة (1) وربما يقال لا يمتنع أن يكون مراد الشارح أن الاحتمال البعيد جداً لا ينافي الجزم ، ففي مثاله يحتمل نقيض ما جزم به لاحتمال خطأ الحس ، فكذلك احتمال خرق العادة .
والظاهر أن مراد المتن والشرح أنه كما أن الحس يحتمل الغلط ومع ذلك يسلّم القادحون
__________
(1) وأعجب من هذا أن الطيارات النفاثة يبالغون الآن في تجويد صنعها وسرعة حركتها حتى يقال أنها تقطع في الساعة 800 ميل أو اكثر ، فتكون أسرع من حركة الأرض ، فإذا جاء اليوم الذي تسبق الطائرة حركة الأرض وطارت من بلد بعد غروب الشمس متوجهة إلى الغرب سبقت حركة الأرض فرؤية الشمس طالعة بعد غروبها ويكون هذا من عجائب العصر . م ع

الصفحة 214